ابن عجيبة
570
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وعن ابن عباس : أن الشمس بمنزلة السانية ، تجرى بالنهار في السماء في فلكها ، فإذا غربت ؛ جرت في الليل تحت الأرض في فلكها ، حتى تطلع من مشرقها ، وكذلك القمر . كذا نقل الكواشي عنه . ولعله لا يناقض ما جاء في الحديث ، من أنها تسجد تحت العرش ، لإحاطة العرش بالجميع ، فهي حيث ما انتهت تحته . ونقل الأقليشى من حديث عكرمة ، عن ابن عباس : ( ما طلعت شمس حتى ينخسها سبعون ألف ملك ، فيقولون لها : اطلعى ، فتقول : لا أطلع على قوم يعبدونني من دون اللّه ، فيأتيها ملك من اللّه ، فيأمرها بالطلوع ، فتستقل بضياء بني آدم ، فيأتيها شيطان يريد أن يصدها عن الطلوع ، فتطلع بين قرنيه ، فيحرقه اللّه تعالى تحتها ، وما غربت شمس قط إلا خرّت للّه ساجدة ، فيأتيها شيطان ، يريد أن يصدها عن السجود ، فتغرب بين قرنيه ، فيحرقه اللّه تعالى ، وذلك قوله صلى اللّه عليه وسلم : « ما طلعت شمس إلا بين قرني الشيطان ، ولا غربت إلا بين قرني الشيطان » « 1 » . ه . على نقل شيخ شيوخنا الفاسي . وقرأ ابن عباس وابن مسعود : « تجرى لا مستقر لها » ، ومعناها : إنها جارية أبدا ، لا تثبت في مكان . وقراءة الجماعة أوفق بالحديث . ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ أي : ذلك الجري على ذلك التقدير البديع ، والحساب الدقيق ، تقدير الغالب بقدرته على كل مقدور ، العليم بكل معلوم . وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ ، من نصبه ؛ فبفعل مضمر ، ومن رفعه ؛ فمبتدأ ، والخبر : قَدَّرْناهُ مَنازِلَ ، وهي ثمانية وعشرون منزلا : فرع الدلو المقدم ، فرع الدلو المؤخر ، بطن الحوت ، النطح ، البطين ، الثّريّا ، الدّبران ، الهقعة ، الهنعة ، الذّراع ، النّثرة ، الصّرفة ، الجبهة ، الطّرفة ، الزّبرة ، العوّاء ، السّماك ، الغفر ، الزّبانى ، الإكليل ، القلب ، الشّولة ، النعائم ، البلدة ، سعد الذّابح ، سعد السّعود ، سعد الأخبية « 2 » ، ينزل القمر كل ليلة في واحد منها لا يتخطاها ، ولا يتقاصر عنها . على تقدير مستو ، يسير فيها من ليلة المستهلّ إلى الثامنة والعشرين ، ثم يستترّ ليلتين ، أو ليلة إذا نقص الشهر . ولا بد في قَدَّرْناهُ مَنازِلَ من تقدير مضاف ؛ أي : قدرّنا سيره ، أو نوره ، فيزيد وينقص ، إذ لا معنى لتقدير القمر منازل ، فيكون « منازل » ظرفا . فإذا كان في آخر منازله ، دق وتقوس ، حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ أي : كالشّمراخ ، وهو عنقود التمر إذا يبس واعوج . ووزنه فعلون ، من الانعطاف ، وهو الانعراج ، الْقَدِيمِ ؛ العتيق المحول « 3 » ، وإذا قدم دقّ ، وانحنى ، واصفرّ ، فشبه القمر به من ثلاثة أوجه .
--> ( 1 ) أخرجه ابن عساكر ( تهذيب تاريخ دمشق 3 / 124 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 7 / 322 ) وتفسير القرطبي ( 6 / 5632 - 5633 ) . ( 3 ) أي : مرّ عليه حول ( عام ) فصاعدا .