ابن عجيبة
568
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ أي : من ثمر اللّه ، أي : ليأكلوا مما خلق اللّه تعالى من الثمر ، أو : من ثمرة ، يخلقها اللّه من ذلك ، على قراءة الأخوين « 1 » . وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أي : ومما عملته أيديهم من الغرس ، والسقي ، والتلقيح ، وغير ذلك ، مما تتوقف عليه في عالم الحكمة ، إلى أن يبلغ الثمر منتهاه . يعنى : أن الثمر في نفسه فعل اللّه ، وفيه آثار من عمل ابن آدم ، حكمة ، وتغطية لأسرار الربوبية . وأصله : من ثمرنا ، كما قال : وَجَعَلْنا وَفَجَّرْنا ، فالتفت إلى الغيبة . ويجوز أن يرجع الضمير إلى النخيل ، ويترك الأعناب غير مرجوع إليها ؛ لأنه علم أنها في حكم النخيل . وقيل : « ما » نافية ، على أن الثمرة خلق اللّه ، ولم تعمله أيدي الناس ، ولا يقدرون عليه . أَ فَلا يَشْكُرُونَ اللّه على هذه النعم الجسيمة ، وهو حثّ على الشكر . سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ ؛ الأصناف كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ من النخيل ، والشجر ، والزرع ، والثمار ، كيف جعلها مختلفة في الطعوم ، والروائح ، والشكل ، والهيئة ، واختلاف أوراق الأشجار ، وفنون أغصانها ، وأصناف نورها وأزهارها ، واختلاف أشكال ثمارها ، في تفردها واجتماعها ، مع ما بسط فيها من الطبائع الأربع ؛ من الحرورة ، والبرودة ، والرطوبة ، واليبوسة ، وما فيها من المنافع المتنوعة . وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ ؛ الأولاد ؛ ذكورا وإناثا ، وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ من أصناف لم يطلعهم اللّه عليها ، ولم يتوصّلوا إلى معرفتها ، ففي البحار عجائب لا يعلمها الناس . قال تعالى : وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ « 2 » . وفائدة التنزيه : نفى تشبيه الذات بشئ من هذه الأزواج . واللّه تعالى أعلم . قال القشيري : والعجب ممّن ينكر أصول الدين ، ويقول : ليس في الكتاب عليه دليل ، وأكثر ما في القرآن من الآيات تدل على سبيل الاستدلال ، ولكن يهدى لنوره من يشاء ، ولو أنهم أنصفوا واشتغلوا بأهم شئ لهم ما ضيّعوا أصول الدين ، ورضوا فيها بالتقليد ، وادّعوا في الفروع رتبة الإمامة والتصدير ، وفي معناها قيل : يا من تصدّر في دست « 3 » الإمامة من * مسائل الفقه إملاء وتدريسا غفلت عن حجج التوحيد تحكمها * شيّدت فرعا وما مهّدت تأسيسا ! ه قلت : وحاصله : مدح علم الأصول وترك علم أصل الأصل ، وهو علم التوحيد الخاص ، أعنى الشهود والعيان . وقد قلت في ذلك ، تذليلا :
--> ( 1 ) قرأ حمزة والكسائي ( من ثمر ) بضم المثلثة والميم . وهي إما جمع « ثمرة » مثل : خشبة وخشب . وإما جمع ثمار ، وثمار جمع ثمرة ، فيكون جمع الجمع . انظر : شرح الهداية للمهدوى ( 2 / 285 ) ، وإتحاف فضلاء البشر ( 2 / 25 ) . ( 2 ) من الآية 8 من سورة النحل . ( 3 ) الدست : صدر البيت .