ابن عجيبة

559

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

في مطمورة الجهالة ، ممنوعون عن النظر في الآيات والدلائل ، فَأَغْشَيْناهُمْ أي : فأغشيناهم أبصارهم ، أي : غطيناها وجعلنا عليها غشاوة ، فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ الحق والرشاد . وقيل : نزلت في بنى مخزوم ، وذلك أن أبا جهل حلف : لئن رأى محمدا يصلّى ليرضخّنّ رأسه ، فأتاه وهو يصلّى ، ومعه حجر ، فلما رفع يده انثنت إلى عنقه ، ولزق الحجر بيده ، حتى فكّوه عنها بجهد ، فرجع إلى قومه ، فأخبرهم ، فقال مخزومىّ : أنا أقتله بهذا الحجر ، فذهب ، فأعمى اللّه بصره ، فلم ير النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، وسمع قوله ، فرجع إلى أصحابه ، ولم يرهم حتى نادوه « 1 » . وقيل : هي ذكر حالهم في الآخرة ، وحين يدخلون النار ، فتكون حقيقة . فالأغلال في أعناقهم ، والنار محيطة بهم . والأول أرجح وأنسب ؛ لقوله : وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ، أي : الإنذار وتركه في حقهم سواء ؛ إذ لا هادي لمن أضله اللّه . روى أن عمر بن عبد العزيز قرأ الآية في غيلان القدرىّ ، فقال غيلان : كأني لم أقرأها قط ، أشهدك أنى تائب عن قولي في القدر . فقال عمر : اللهم إن صدق فتب عليه ، وإن كذب فسلّط عليه من لا يرحمه ، فأخذه هشام بن عبد الملك من غده ، فقطع يديه ورجليه ، وصلبه على باب دمشق « 2 » . ثم ذكر من ينفعه الإنذار ، فقال : إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ أي : إنما ينتفع بإنذارك من تبع القرآن وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ ؛ وخاف عقاب اللّه قبل أن يراه ، أو : تقول : نزّل وجود الإنذار لمن لم ينتفع به منزلة العدم ، فمن لم يؤمن كأنه لم ينذر ، وإنما الإنذار لمن انتفع به . فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ ، وهو العفو عن ذنوبه ، وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ؛ الجنة وما فيها . الإشارة : كل من تصدى لوعظ الناس ، وإنذارهم ، على فترة من الأولياء ، يقال له : لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون . ويقال في حق من سبق له الإبعاد عن طريق أهل الرشاد : لقد حقّ القول على أكثرهم ، فهم لا يؤمنون . إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا تمنعهم من حط رؤوسهم لأولياء زمانهم ، وجعلنا من بين أيديهم سدا : موانع تمنعهم من النهوض إلى اللّه ، ومن خلفهم سدا : علائق تردهم عن حضرة اللّه ، فأغشيناهم : غطّينا أعين بصيرتهم ، فلا يرون خصوصية أحد ممن يدلّ على اللّه ، فهم لا يبصرون داعيا ، ولا يلبون مناديا ، فالإنذار وعدمه في حقهم سواء ، ومعالجة دائهم عناء . قال الورتجبي : سد ما خلفهم سد قهر الأزل ، وسد ما بين أيديهم شقاوة الأبد ، فبنفسه منعهم من نفسه . لا

--> ( 1 ) أخرجه الطبري مختصرا ( 22 / 152 ) عن عكرمة . وعزاه الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف ( 139 ) لابن إسحاق في السيرة ، وأبى نعيم في الدلائل ، عن عكرمة ، عن ابن عباس - رضى اللّه عنهما . ( 2 ) انظر تفسير النسفي ( 3 / 97 ) .