ابن عجيبة
560
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
جرم أنهم في غشاوة القسوة ، لا يبصرونه أبدا . ه . إنما ينتفع بتذكير الداعين إلى اللّه من خشع قلبه بذكر اللّه ، واشتاقت روحه إلى لقاء اللّه ، فبشّره بمغفرة لذنوبه ، وتغطية لعيوبه ، وأجر كريم ، وهو النظر إلى وجه اللّه العظيم . ثم ردّ على من أنكر البعث ، ممن سبق له الشقاء ، فقال : [ سورة يس ( 36 ) : آية 12 ] إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ ( 12 ) يقول الحق جل جلاله : إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى أي : نبعثهم بعد مماتهم ، أو : نخرجهم من الشرك إلى الإيمان . قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي : لمّا أمر بالتبشير بالمغفرة ، والأجر الكريم ، لمن انتفع بالإنذار ، أعلم بحكم من لم يؤمن ، ولم ينتفع بالإنذار ، وأنه يبعثهم ، وإليه حكمهم ، كما قال : إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ « 1 » ه . وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا ؛ ما أسلفوا من الأعمال الصالحات وغيرها ، وَآثارَهُمْ ؛ ما تركوه بعدهم من آثار حسنة ، كعلم علّموه ، أو كتاب صنّفوه ، أو حبس حبسوه ، أو رباط أو مسجد صنعوه . أو آثار سيئة ، كبدعة ابتدعوها في الإسلام . ونحوه قوله تعالى : يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ « 2 » أي : قدّم من عمله وأخّر من آثاره . وفي الحديث : « من سنّ في الإسلام سنّة حسنة ، فعمل بها من بعده ، كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها إلى يوم القيامة ، من غير أن ينقص من أجورهم شئ . ومن سنّ في الإسلام سنّة سيئة فعليه وزرها ، ووزر من عمل بها ، من غير أن ينقص من أوزارهم شئ » « 3 » وفي خبر آخر : « سبع تجرى على العبد بعد موته : من غرس غرسا ، أو حفر بئرا ، أو أجرى نهرا ، أو علّم علما ، أو بنى مسجدا ، أو ورّث مصحفا ، أو ولدا صالحا » « 4 » . انظر المنذري . وهذا كله داخل في قوله تعالى : وَآثارَهُمْ قيل : آثارهم : خطاهم إلى المساجد ، للجمعة وغيرها . وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ ؛ حفظناه ، أو عددناه وبيّناه فِي إِمامٍ ؛ كتاب مُبِينٍ ؛ اللوح المحفوظ ؛ لأنه أصل الكتب وإمامها ، وقيل : صحف الأعمال . والمراد : تهديد العباد بإحصاء ما صنعوه من خير أو شر ، لينزجروا عن معاصي اللّه ، وينهضوا إلى طاعة اللّه .
--> ( 1 ) الآية 36 من سورة الأنعام . ( 2 ) الآية 13 من سورة القيامة . ( 3 ) أخرجه مسلم ، في ( الزكاة ، باب : الحث على الصدقة ولو بشق تمرة ، 2 / 704 - 705 ، ح 1017 ) من حديث جرير . ( 4 ) أخرجه بنحوه البزار ( كشف الأستار - 149 ) والبيهقي في الشعب ( ح 3449 ) من حديث أنس بن مالك . وأخرجه ابن ماجة ، بلفظ مقارب ، في ( المقدمة / ح 242 ) من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه .