ابن عجيبة
521
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
فقد اكتفى ، فقد زيّن له سوء عمله ، حيث تغافل عن حلاوة مناجاته . والذي هو في صحبة حظوظه ، دون إيثار حقوق اللّه ، فقد زين له سوء عمله فرآه حسنا . ه . قلت : وكذلك من وقف مع الكرامات والمقامات ، وحلاوة الطاعات ، دون درجة المشاهدة ، فقد زين له سوء عمله . والحاصل : كل من وقف مع شئ ، دون تحقيق الفناء في الذات ، فهو مزيّن له سوء عمله . وكل من لم يصحب الرجال فهو غالط ، يظن أنه واصل ، وهو منقطع في أول البدايات . وباللّه التوفيق . وقوله تعالى : فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ ، كذلك يقال للواعظ ، إذا رأى إدبار الخلق ، وعدم تأثير الوعظ فيهم ، فليكتف بعلم اللّه فيهم ، ولا يتأسف على أحد ، فإن التوفيق بيد اللّه . وربما يحييهم بعد حين ، كما يحيى الأرض بعد موتها ، كما أشار إلى ذلك بقوله : [ سورة فاطر ( 35 ) : آية 9 ] وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ ( 9 ) قلت : « كذلك » : خبر مقدم ، و « النشور » : مبتدأ . يقول الحق جل جلاله : وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ ، وفي قراءة بالإفراد ، للجنس « 1 » ، فَتُثِيرُ سَحاباً أي : تزعجه ، وعبّر بالمضارع على حكاية الحال الماضية استحضارا لتلك الصورة البديعة ، التي تقع فيها إثارة الرياح السحاب ، الدالة على كمال القدرة وباهر الحكمة . فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ ؛ لا نبات فيه ، فَأَحْيَيْنا بِهِ أي : بالمطر النازل منه الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ؛ بعد يبسها . وعدل من الغيبة إلى التكلم ؛ لأنه أدخل في الاختصاص ؛ لما فيه من مزيد بديع الصنع ، كَذلِكَ النُّشُورُ أي : مثل إحياء الموات نشور الأموات . وقيل : يحيى اللّه الخلق بماء يرسله من تحت العرش ، كمنىّ الرجال ، فتنبت به الأجساد في قبورها ، ثم يرسل الأرواح فتدخل في أشباحها « 2 » . قال أبو رزين : قلت : يا رسول اللّه كيف يحيى اللّه الموتى ؟ وما آية ذلك في خلقه ؟ فقال : « هل مررت بواد أهلك محلا ؟ - أي : جدبا - قلت : نعم ، قال : فكذلك يحيى اللّه الموتى ، وتلك آية اللّه في خلقه » « 3 » .
--> ( 1 ) قرأ ابن كثير ، وحمزة ، والكسائي ( الريح ) بالتوحيد ، وقرأ الباقون ( الرياح ) بالجمع . انظر الإتحاف ( 2 / 392 ) . ( 2 ) ذكره الطبري ( 22 / 119 ) . ( 3 ) أخرجه أحمد في المسند ( 4 / 11 ) والطبراني في الكبير ( 19 / 208 ح 470 ) والطيالسي ( ص 147 ح 1089 ) عن أبي رزين العقيلي . قال الهيثمي في المجمع ( 1 / 85 ) : رجاله ثقات .