ابن عجيبة
522
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الإشارة : واللّه الذي أرسل رياح الهداية ، فتزعج سحاب الغين عن قلوب أهل الهداية ، فسقناه - أي : ريح الهداية - إلى قلب ميت بالغفلة والجهل باللّه ، فأحيينا بالوارد الناشئ عن ريح الهداية أرض النفوس ، بالنشاط إلى العبادة ، والذكر ، والمعرفة ، بعد موتها بالغفلة والقسوة ، كذلك النشور . وذلك عزها ، كما قال تعالى : [ سورة فاطر ( 35 ) : آية 10 ] مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ ( 10 ) يقول الحق جل جلاله : مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ أي : الشرف والمنعة على الدوام ، في الدنيا والآخرة ، فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً ؛ فليطلبها من عنده ، بالتقوى ، والعلم ، والعمل الصالح ، كالزهد في الدنيا ، والتبتل إلى اللّه ، أي : فالعزة كلها مختصة باللّه ، عز الدنيا وعز الآخرة . وكان الكفار يتعززون بالأصنام ، كما قال تعالى : وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا « 1 » ، والمنافقون كانوا يتعززون بالمشركين ، كما قال تعالى : الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً . . « 2 » ، فبيّن أن العزة إنما هي للّه بقوله : « فإن العزة للّه » فليطلبها من أرادها من عنده . فوضع قوله : فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ موضعه ، استغناء به عنه ؛ لدلالته ؛ لأن الشيء لا يطلب إلا من عند صاحبه ومالكه . ونظيره قولك : من أراد النصيحة ؛ فهي عند الأبرار ، أي : فليطلبها من عندهم . وفي الحديث : « إن ربكم يقول كل يوم : أنا العزيز ، فمن أراد عزّ الدارين فليطع العزيز » « 3 » . ثم ذكر ما يطلب به العز ، وهو العمل المقبول ، بقوله : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ؛ كلمة التوحية : لا إله إلا اللّه ، وما يلحقها من الأذكار ، والدعاء ، والقراءة . وعنه صلى اللّه عليه وسلم : « هو سبحان اللّه والحمد للّه ، ولا إله إلا اللّه ، واللّه أكبر . إذا قالها العبد عرج بها الملك إلى السماء ، فحيّا بها وجه الرحمن « 4 » . وكان القياس : الطيبة ، ولكن كل جمع ليس بينه وبين واحدة إلا التاء يذكّر ويؤنّث . ومعنى الصعود : القبول والرضا ، وكل ما اتصف بالقبول وصف بالرفعة والصعود .
--> ( 1 ) الآية 81 من سورة مريم . ( 2 ) الآية 139 من سورة النساء . ( 3 ) ذكره ابن الجوزي في الموضوعات ( 1 / 120 ) عن أنس رضي اللّه عنه . وقال ابن الجوزي : وهذا من تلصيص سعيد بن هبيرة العامري ، قال ابن عدي : كان يحدث الموضوعات . ( 4 ) أخرجه بنحوه الطبري ( 22 / 120 ) والحاكم - وصححه ووافقه الذهبي ( 2 / 425 ) - وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات ( 2 / 34 ) والبغوي في التفسير ( 6 / 414 - 415 ) من حديث ابن مسعود ، موقوفا .