ابن عجيبة
514
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
صورته التي خلقه اللّه عليها ، فلما رآه كذلك خرّ مغشيا عليه . وقال : ما كنت أرى شيئا من الخلق هكذا . فقال له : لو رأيت إسرافيل ، إنّ له لاثنى عشر جناحا بالمشرق ، واثنى عشر جناحا بالمغرب ، وإنّ العرش لعلى كاهله ، وإنه ليتضاءل لعظمة اللّه تعالى « 1 » ه . يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ أي : يزيد في خلق الأجنحة وغيره ما يريد . وقيل : هو الوجه الحسن ، والشعر الحسن ، والصوت الحسن ، والحظّ الحسن ، والملاحة في العينين . والآية مطلقة تتناول كلّ زيادة في الخلق ، من طول قامة ، واعتدال صورة ، وتمام في الأعضاء ، وقوة في البطش ، وحصافة العقل ، وجزالة في الرأي ، وفصاحة في اللسان ، وحسن خلق في المعاشرة ، ومحبة في قلوب المؤمنين وغير ذلك . إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيقدر على ما يشاء ، من زيادة في الخلق ، ونقصان فيها ، على حسب المشيئة السابقة . الإشارة : الحمد في القرآن وقع على أربعة أقسام : حمد مطلق ، وهو الواقع على عظمة ذاته ، من غير أن يكون في مقابلة شئ ، وهو قوله : قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى « 2 » ، الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * « 3 » ، وحمد وقع في مقابلة تنزيه ذاته عن النقائص ، وهو قوله : وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً . . . * « 4 » الآية . وحمد وقع في مقابلد نعمة الإيجاد ، وهو قوله : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ . . « 5 » ، وحمد وقع في مقابلة نعمة الإمداد الحسى ، كقوله : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ * ، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ « 6 » ، فإن التربية تقتضى وصول ما يحتاج إليه المربّى ، أو الإمداد المعنوي ، وهو إمداد القلوب والأرواح بالهداية ، وهو قوله : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ « 7 » الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا . . « 8 » فهذه أربعة : حمد مطلق ، أو مقيد بشأن التنزيه ، أو بنعمة الإيجاد ، أو الإمداد ، وما وقع هنا في إظهار تجلياته ، من أرضه وسماواته ، ولطائف ملائكته ، فإن ذلك كله من نور جبروته . وقوله تعالى : يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ قال القشيري : يقال : هو الفهم عن اللّه ، أو السخاء والجود ، أو : الرضا بالتقدير ، أو : علو الهمة ، أو : التواضع في الشرف ، أو : العفة في الفقر ، أو : الظرف - أي : الظرافة - في الشمائل ، أو : أن يكون محببا في القلوب ، أو : خفة الروح ، أو : تحرّر القلب عن رقّ الحرمان - أي : بالوقوف مع الأكوان - أو : ألا يطلب لنفسه منزلة في الدارين - أي : بأن يكون عبد اللّه حقيقة - . ه . ملخصا .
--> ( 1 ) ذكره القرطبي ( 6 / 5558 ) عن الزهري . ( 2 ) من الآية 59 من سورة النمل . ( 3 ) من الآية 75 من سورة النحل . ( 4 ) الآية 111 من سورة الإسراء . ( 5 ) من الآية الأولى من سورة الأنعام . ( 6 ) الآية 36 من سورة الجاثية . ( 7 ) الآية الأولى من سورة الكهف . ( 8 ) من الآية 43 من سورة الأعراف .