ابن عجيبة
515
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
والصواب أن الزيادة تشمل ذلك كله ، وكل من خصه بشئ ؛ فإنما ذلك رحمة منه تعالى ، كما قال تعالى : [ سورة فاطر ( 35 ) : آية 2 ] ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 2 ) يقول الحق جل جلاله : ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ أي : ما يطلق ويرسل من رحمة ، كنعمة ، ومطر ، وأمن ، وعافية ، ورزق ، وعلم ، ومعرفة ، ونبوة ، وغيرها ، فَلا مُمْسِكَ لَها ؛ فلا أحد يقدر على إمساكها وردها ، واستعير الفتح للإطلاق ؛ لأنه مسبب عنه . ونكّر الرحمة للإشاعة والإبهام ، كأنه قال : من أىّ رحمة كانت ، فتشمل نعمة الدفع والجلب ، كدفع المحن وجلب المنن . والاعتراف بالمنعم من تمام النعمة ، والأمران مدرجان في الفتح والإمساك ، وَما يُمْسِكْ أي : يمنع ويحبس من ذلك فَلا مُرْسِلَ لَهُ ؛ فلا مطلق له مِنْ بَعْدِهِ ؛ من بعد إمساكه . وأنث الضمير الراجع إلى الاسم المتضمّن معنى الشرط على معنى الرحمة ، وذكّره ؛ حملا على لفظ المرجوع إليه ؛ إذ لا تأنيث فيه ؛ لأن الأول فسرّ بالرحمة ، فحسن اتباع الضمير التفسير ، ولم يفسر الثاني فترك على أصل التذكير . وعن معاذ رضي اللّه عنه مرفوعا : « لا تزال يد اللّه مبسوطة على هذه الأمة ما لم يرفق خيارهم بشرارهم ، ويعظّم برّهم فاجرهم ، وتعن قراؤهم على أمراءهم على معصية اللّه . فإذا فعلوا ذلك نزع اللّه يده عنهم » « 1 » قال ابن عرفه : يؤخذ من قوله تعالى : وَما يُمْسِكْ . . أن العدم السابق الإضافى متعلق للقدرة ، وجعله بعض الأصوليين متعلقا للإرادة أيضا ، وذلك لأن المصحح للتعلق الإمكان . ه . قال الأبى : لا دليل في الآية ؛ لاحتمال أن يكون التقدير : وما يريد إمساكه ، فيكون من متعلقات الإرادة ، ويحتمل : وما يمسك عن الإرسال بعد وجوده ، كإمساك الماء عن النزول بعد خلقه في السحاب . ه . وَهُوَ الْعَزِيزُ الغالب ، القادر على الإرسال والإمساك . الْحَكِيمُ الذي يرسل ويمسك ، بما تقتضى الحكمة إرساله ، أو إمساكه . الإشارة : ما يفتح اللّه لقلوب عباده من نفحات ، وواردات ، وإلهامات ، وعلوم لدنية ، وحكم ربانية ، وتعرفات جمالية وجلالية ، فلا ممسك لها ، بل اللّه يفتح على من يشاء ، ويسد الباب في وجه من شاء . وسد الباب في وجه العبد عن معرفته الخاصة ، علامته : عدم إيصاله إلى أوليائه . فكل من وصله إليهم ، وصحبهم ، وعظّمهم ، وخدمهم ،
--> ( 1 ) ذكر نحوه العراقي في المغني ( 2 / 164 ) وعزاه لأبى عمرو الداني ، في كتاب الفتن ، من رواية الحسن ، مرسلا ، بلفظ : ( لا تزال هذه الأمة تحت يد اللّه وكنفه ما لم يمالىء قراؤها أمراءها ) وقال العراقي . ورواه الديلمي في مسند الفردوس ، من حديث علىّ ، وابن عمر ، بلفظ : « ما لم يعظم أبرارها فجارها ، ويداهن خيارها شرارها ، وإسنادهما ضعيف .