ابن عجيبة

509

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم ذكر حسرة من فاته الإيمان في إبّانه ، فقال : [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 51 إلى 54 ] وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ ( 51 ) وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ( 52 ) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ( 53 ) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ ( 54 ) قلت : « مريب » : اسم فاعل ، من : أراب ، أي : أتى بريبة ، وأربته : أوقعته في الريبة . ونسبة الإرابة إلى الشك مجاز . والمراد : وصفه بالشدة والإظلام ، بحيث إنه يوقع في شك آخر . يقول الحق جل جلاله : وَلَوْ تَرى يا محمد ، أو : يا من تصح منه الرؤية ، الكفرة . إِذْ فَزِعُوا ؛ حين فزعوا عند صيحة البعث ، لرأيت أمرا فظيعا هائلا ، فَلا فَوْتَ أي : لا مهرب لهم ، أو : فلا يفوتون اللّه ولا يسبقونه . وَأُخِذُوا إلى النار مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ ؛ من المحشر إلى قعر جهنم . أو : ولو ترى إذ فزعوا عند الموت فلا فوت منه ، وأخذوا من ظهر الأرض إلى بطنها ، أو : إذ فزعوا يوم بدر ، وأخذوا من صحراء بدر إلى القليب . وَقالُوا حين عاينوا العذاب : آمَنَّا بِهِ أي : بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ؛ لمرور ذكره في قوله : ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ « 1 » أو : باللّه ، أو : بالقرآن المذكور في قوله : فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ أي : التناول . من قرأه بالواو « 2 » فوجهه : أنه مصدر : ناش ، ينوش ، نوشا ، أي : تناول ، وهي لغة حجازية ، ومنه : تناوش القوم في الحرب : إذا تدانوا ، وتناول بعضهم بعضا ، أي : ومن أين لهم تناول التوبة وقد بعدت عنهم ، يعنى أن التوبة كانت منهم قريبة ، تقبل منهم في الدنيا ، وقد ذهبت الدنيا وبعدت عن الآخرة . وقيل : هو تمثيل لطلبهم ما لا يكون ، وهو أن ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت ، كما نفع المؤمنين إيمانهم في الدنيا ، فمثّلت حالهم بحال من يريد أن يتناول

--> ( 1 ) الآية 46 من السورة . ( 2 ) قرأ أبو عمرو ، وأبو بكر ، وحمزة ، والكسائي ( التناوش ) بالهمزة ، وقرأ الباقون ( التناوش ) بالواو من غير همز .