ابن عجيبة
510
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الشيء من غلوة كما يتناوله الآخر من ألف ذراع . ووجه من قرأه بالهمز : أنه مصدر : تناءش ، بمعنى أبطأ ، أو : بعد ، يقال : تناءشت الشيء : أخذته من بعد . والنئيش : الشيء البطيء ، كما قال الشاعر : وجئت نئيشا بعد ما فاتك الخير « 1 » . أي : جئت بطيئا . وقيل : الهمز بدل الواو ، كالصائم ، والقائم ، وأقتت . والمعنى : ومن أين لهم حصول الإيمان المتعذر بعد حصول البعد عن وقته . وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ حصول العذاب ، أو : قبل الموت في الدنيا ، وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ، هو عطف على « كفروا » على حكاية الحال الماضية ، أي : وقد كفروا في الدنيا ، ورموا بظنونهم في الأمور المغيبة ، فقالوا : لا بعث ولا حساب ، ولا جنة ولا نار . مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ عن الحق والصواب ، أو : هو قولهم في رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، شاعر ، ساحر ، كذاب ، وهو رجم بالغيب ؛ إذ لم يشاهدوا منه سحرا ولا شعرا ولا كذبا . وقد أتوا بهذا الأمر من جهة بعيدة من حاله صلى اللّه عليه وسلم ؛ إذ لم يعرفوه إلا بالصدق ، والأمانة ، ورجاحة العقل . وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ من نفع الإيمان يومئذ ، والنجاة به من النيران ، والفوز بنعيم الجنان ، أو بين الرد إلى الدنيا ، كما حكى عنهم بقوله : فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً « 2 » كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ أي : بأشباههم من الكفرة الدارجة من قبلهم ، فإنه قد حيل بينهم وبين ما يشتهون من الإيمان والعمل الصالح بالموت ، وهذه الأفعال كلها تقع في المستقبل ، عبّر عنها بالماضي لتحقق وقوعها . إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ في أمر الرسول والبعث ، مُرِيبٍ : موقع للريبة ، أو : ذي ريبة ، نعت به للمبالغة . وفيه رد على من زعم أن اللّه لا يعذّب على الشك ، قاله النسفي . الإشارة : قوم غفلوا عن تحقيق الإيمان ، وتربيته ، بصحبة أهل الإيقان ، حتى إذا كشف - بعد الموت - عن مقامهم القصير ، ومكانهم البعيد ، قالوا : آمنا وتيقنا ، وأنى لهم التناوش من مكان بعيد . وقوم اشتغلوا بالبطالة والتقصير ، وصرفوا في الشهوات والحظوظ عمرهم القصير ، وتوغلوا في أشغال الدنيا وزخارفها ، فذهلوا عن الجد والتشمير ، فإذا انقضت عنهم أيام الدنيا حيل بينهم وبين ما يشتهون ، من اغتنام الأوقات ، وتعمير الساعات ، لنيل المراتب والدرجات ، وهنالك يقع الندم حين لم ينفع ، ويطلب الرجوع فلا يسمع .
--> ( 1 ) عجز بيت ، وهو كما في القرطبي ( 6 / 5553 ) : قعدت زمانا عن طلابك للعلا * وجئت نئيشا بعد ما فاتك الخبر ( 2 ) من الآية 12 من سورة السجدة .