ابن عجيبة

5

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الجزء الرابع سورة النّور « 1 » مدنية . ووجه المناسبة لما قبلها : أن إقامة الحدود من أثر الرحمة التي ختم بها ما قبلها ؛ لأن بإقامة الحدود يقع الزجر عن المعاصي ، فتنزل الرحمة والعافية . قال أبو هريرة رضي اللّه عنه : ( إقامة حدّ بأرض خير لأهلها من مطر أربعين ليلة ) « 2 » . وقيل : لمّا ذكر تعالى في مشركي قريش : وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ ؛ أي : أعمال سيئة هُمْ لَها عامِلُونَ « 3 » ، ثم استطرد بعد ذلك في أحوالهم ، كان من أعمالهم السيئة : الزنا ، وكان لهم جوار بغايا عليهن ، ويأكلون من كسبهن من الزنا ، فأنزل اللّه هذه السورة ؛ تغليظا في أمر الزنا . ه . وعن عائشة - رضي اللّه عنها - قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لا تنزلوا النساء الغرف ، ولا تعلموهنّ الكتابة ، وعلّموهنّ سورة النور والغزل » « 4 » أي : أحكام السورة ؛ لينزجرن عن الزنا . وسميت سورة النور ؛ لقوله : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ « 5 » ، وحقيقة النور : ما تنكشف به حقيقة الأشياء على ما هي عليه ، فالنور الظاهر الحسى تنكشف به الأشياء الحسية ، والنور الباطن تنكشف به الأشياء الباطنية ، كمعرفة الذات الأقدس ، وما يقرب إليها من آداب العبودية . ومرجعه إلى ثلاثة : نور معرفة أحكام المعاملة ، ونور اليقين ، ونور المكاشفة . فالأول : نور الإسلام ، وهو كنور النجوم ، والثاني : نور الإيمان ، وهو كنور القمر ، والثالث : نور الإحسان ، وهو كنور الشمس . ويسمى الأولان : نور التوجه ، والثالث : نور المواجهة . وتتفاوت هذه الأنوار على قدر التوجه والتفرغ من شواغل الحس ، فإذا أشرقت شمس العرفان لم يبق لنور النجوم ولا للقمر أثر ؛ لمحو وجود الأكوان في محل العيان ، فصار الغيب شهادة ، والتصديق معاينة ، فانطوى الإيمان في وجود العيان . ولمّا كانت التقوى أساس الطريق لهذا المقام ، الذي هو نور الإيمان ، تكلم الحق تعالى في أول السورة على أهم ما يتقى ، وهو الزنا وما يؤدى إليه من النظر والاطلاع على عورات النساء ، فقال :

--> ( 1 ) أول المجلد الثالث من النسخة الأم . ( 2 ) أخرجه ابن حبان في صحيحه ( 4381 ) وأخرجه بنحوه ، ابن ماجة في ( الحدود باب : إقامة الحدود ، 2 / 848 ، ح 2538 ) ، من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه ، وأخرجه ابن ماجة في الموضع نفسه ( ح 3537 ) والنسائي ( 8 / 76 ) من حديث ابن عمر رضي اللّه عنه . ( 3 ) من الآية 63 من سورة « المؤمنون » . ( 4 ) أخرجه البغوي في تفسيره ( 6 / 68 ) ، والحاكم في المستدرك ( 2 / 396 ) وصححه ، وتعقبه الذهبي ، فقال : ( بل موضوع ، وآفته : عبد الوهاب ، قال أبو حاتم : كذاب ) ، وقال الهيثمي في المجمع ( 4 / 93 ) : رواه الطبراني في الأوسط ( ح 5713 ) ، وفيه محمد بن إبراهيم الشامي . قال الدارقطني : كذّاب . ( 5 ) الآية 35 من السورة .