ابن عجيبة

498

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أي : الأتباع السفلة لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا أي : الرؤساء المقدّمين : لَوْ لا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ؛ لولا دعاؤكم إيّانا إلى الكفر لكنا مؤمنين باللّه ورسوله . قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَ نَحْنُ صَدَدْناكُمْ : رددناكم عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ أي : بل أنتم صددتم باختباركم ، ولم نقهركم على الكفر . أنكروا أنهم كانوا صادّين لهم عن الإيمان ، وأثبتوا أنهم هم الذين صدّوا أنفسهم ، حيث أعرضوا عن الهدى ، وآثروا التقليد عليه . وإنما وقعت « إذ » مضافا إليها ، وإن كانت « إذ » و « إذا » من الظروف اللازمة للظرفية ؛ لأنه قد اتّسع في الزمان ما لم يتّسع في غيره . وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أي : بل مكركم بنا بالليل والنهار هو الذي صدنا عن الهدى . أو : مكر بنا الليل والنهار ، وطول السلامة ، حتى ظننا أنكم على حق فقلدناكم . إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً : أشباها ، نعبدها معه . والحاصل : أن المستكبرين لمّا أنكروا أن يكونوا هم السبب في كفر المستضعفين ، وأثبتوا أن ذلك بسبب اختيارهم ، كرّ عليهم المستضعفون بقولهم : بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ، فأبطلوا إضرابهم بإضرابهم ، كأنهم قالوا : ما كان الإجرام من جهتنا ، بل من جهة مكركم بنا دائما ، ليلا ونهارا ، وحملكم إيّانا على الشرك واتخاذ الأنداد . ثم حصل الندم حيث لم ينفع ، كما قال تعالى : وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ أي : أضمر الندم كلا الفريقين ، وأخفاه عن رفيقه ، مخافة التعيير ، لمّا رأوا العذاب ، وتحققوا لحوقه بهم ، فندم المستكبرون على إضلالهم وضلالهم ، والمستضعفون على ضلالهم واتباعهم . وقيل : معنى أسروا : أظهروا ، فهو من الأضداد . وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا أي : في أعناقهم . فأظهر في محل الإضمار ؛ للدلالة على ما استوجبوا به الأغلال ، وهو كفرهم . هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي : لا يفعل بهم إلا ما استوجبته أعمالهم الخبيثة في الدنيا . الإشارة : كل من له رئاسة وجاه ، عالما كان أو جاهلا ، وصدّ الناس عن طريق التربية على يد المشايخ ، يقع له هذا الخصام ، مع من صدّهم من ضعفاء الناس ، حيث يرتفع المقربون ، ويسقط الغافلون من تلك المراتب ، فيقع الندم والتحسر ، ويتبرأ الرؤساء من المرءوسين من عامة أهل اليمين . قال القشيري : وهكذا أصحاب الزلات ، الأخلاء في الفساد - أي : يتبرأ بعضهم من بعض - وكذلك الجوارح والأعضاء ، يشهد بعضها على بعض ، اليد تقول للجملة : أخذت ، العين تقول : أبصرت ، والاختلاف في الجملة عقوبة . ومن عمل بالمعاصي أخرج اللّه عليه من كان أطوع له ، ولكنهم لا يعلمون ذلك . ولو علموا لاعتذروا ، ولو اعتذروا لتابوا وتوقفوا ، ولكن ليقضى اللّه أمرا كان مفعولا . ه .