ابن عجيبة

499

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم سلّى رسوله ، فقال : [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 34 إلى 36 ] وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ( 34 ) وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ( 35 ) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 36 ) يقول الحق جل جلاله : وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ ؛ رسول إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها : متنعّموها ، ورؤساؤها : إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ، فهذه تسليه لرسول صلى اللّه عليه وسلم مما لقى من رؤساء قومه من التكذيب ، والكفر بما جاء به ، وأنه لم يرسل قطّ إلى أهل قرية من نذير إلا قالوا له مثل ما قال لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أهل مكة . وتخصيص المتنعمين بالتكذيب ؛ لأن الداعي إلى التكبر ، وعدم الخضوع للغير ؛ هو الانهماك في الشهوات ، والاستهانة بمن لم يحظ بها ، جهلا ، ولذلك افتخروا بالأموال الفانية ، كما قال تعالى : وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ، رأوا - من فرط جهلهم - أنهم أكرم على اللّه من أن يعذّبهم . نظروا إلى أحوالهم في الدنيا ، وظنوا أنهم لو لم يكرموا على اللّه لما رزقهم ذلك . ولولا أن المؤمنين هانوا عليه لما حرمهم ذلك ، فأبطل اللّه رأيهم الفاسد بقوله : قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ أي : يضيقه على من يشاء ، فإن الرزق بيد اللّه ، يقسمه كيف يشاء . فربما وسّع على العاصي ، استدراجا ، وضيّق على المطيع ، تمحيصا وتطهيرا ، فيوسع على المطيع ، ويضيق على العاصي ، وربما وسّع عليهما على حسب مشيئته ، فلا يقاس عليهما أمر الثواب ، ولو كان ذلك لكرامة وهوان يوجبانه لم يكن بمشيئته . وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ فيظنون أن كثرة الأموال والأولاد للشرف والكرامة عند اللّه . وقد تكون للاستدراج ، وصاحبها لا يشعر . الإشارة : ما حاز الخصوصية وتبع أهلها إلا ضعفاء المال والجاه ، الذين هم أتباع الرسل ، فهم الذين حطّوا رؤوسهم ، وباعوا نفوسهم وأموالهم للّه ، وبذلوها لمن يعرّفهم به ، فعوّضهم جنة المعارف ، يتبوءون منها حيث شاءوا ، وأما من له جاه أو مال فقلّ من يحط رأسه منهم ، إلا من سبقت له العناية الكبرى . قال القشيري : بعد كلام : ولكنها أقسام سبقت ، وأحكام حقت ، ثم اللّه غالب على أمره . وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً ، وليس هدا بكثرة الأموال والأولاد ، وإنما هي ببصائر مفتوحة لقوم ، ومسدودة لقوم ه .