ابن عجيبة

436

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

رعاية لما يقال ، وتركا لتدبير اللّه ، مع كونه أحق بالرعاية ، وكيف ، وفي ذلك تشريع لئلا يكون على المؤمنين حرج وضيق فيما فرض اللّه له فيما أعلمه . ثم قال : والحاصل أنه - عليه الصلاة والسلام - لم يلمّ بخطيئة ، بدليل أنه لم يؤمر بتوبة ولا استغفار ، وإنما أخبره بما أضمر في نفسك ، خشية افتتان الغير ، واللّه أحق أن يخشى ، بأن يبتهل إليه ؛ ليزيل عنهم ما يخشى فيهم . قال ابن عرفة : الصواب : أن ما أخفاه في نفسه هو : أن اللّه أخبره أن سيتزوجها . وما قاله ابن عطية لا يحل أن يقال ، لأنه تنقيص لم يرد في حديث صحيح . وإنما ذكره المفسرون . ه . قلت : إنما يكون تنقيصا إذا كان ذلك الواقع في القلب ثابتا ، وأما إن كان خاطرا مارا فلا نقص ؛ إذ ليس في طوق البشر ؛ لأنه من أوصاف العبودية ، بل الكمال في دفعه ورده بعد هجومه . ثم قال ابن عرفة ، على قوله : وَتَخْشَى النَّاسَ : هو تمهيد لعذره ، وإن كان لمجرد أمر اللّه له بذلك ، ولا ينبغي حمله على أنه خاف الناس فقط . بل المراد : عتابه على خلط خوفه من اللّه بخوفه من الناس ، وأمره ألا يخاف إلا من اللّه فقط ، خوفا غير مشوب بشئ . ه . قلت : إذا فسرنا الخشية بالحياء لا يحتاج إلى هذا التعسف ، مع أن الخوف من الخلق مذموم ، وحده أو مع خوف اللّه ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم منزه عن ذلك ، أي : تستحى من الناس أن يقولوا : نكح امرأة ابنه ، وكان - عليه الصلاة والسلام - أشد الناس حياء من العذراء في خدرها . والحياء ممدوح عند الخاص والعام . وأما قوله تعالى : وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فتنبيه على أن الحياء في بعض المواضع تركه أولى ، فهو ترقية له ، وتربية لوقت آخر . أو : وتخشى أن يفتتن الناس بذلك ، واللّه أرحم بهم من غيره ، فاللّه أحق أن تخشى ، فتبتهل إليه في زوال ذلك عنهم . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : في الآية الأولى حث على التفويض وترك الاختيار ، مع ما أمر به الواحد القهار . وفي الحكم : « ما ترك من الجهل شيئا من أراد أن يظهر في الوقت غير ما أظهر اللّه » « 1 » . فالواجب على العبد أن يكون في الباطن مستسلما لقهره ، وفي الظاهر متمثلا لأمره ، تابعا لسنّة نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، ولما يوجب رضاه ومحبته . وفي الآية الثانية تنبيه على أن خواص الخواص يعاتبون على ما لا يعاتب عليه الخواص . والخواص ، يعاتبون على ما لا يعاتب عليه العوام ، فكلما علا المقام ، واشتد القرب ، اشتدت المطالبة بالأدب ، ووقع العتاب على أدنى ما يخل بشئ من الأدب ، على عادة الوزراء مع الملك . وذلك أمر معلوم ، مذوق عند أهل القلوب . وباللّه التوفيق .

--> ( 1 ) انظر الحكم بتبويب المتقى الهندي ( ص 20 ، حكمة : 17 )