ابن عجيبة

435

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

فقال : لا واللّه ، ما رأيت منها إلا خيرا ، إلا أنها تتعظم علىّ ، لشرفها ، وتؤذيني بلسانها ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أمسك عليك زوجك واتق اللّه » . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 37 إلى 39 ] وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً ( 37 ) ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً ( 38 ) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً ( 39 ) وهذا معنى قوله : وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بالإسلام الذي هو من أجلّ النعم وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ بالإعتاق والتبني ، فهو متقلب في نعمة اللّه ونعمة رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، وهو زيد بن حارثة : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ؛ زينب ، وَاتَّقِ اللَّهَ فلا تطلقها ، وهو نهى تنزيه ، أو : اتق اللّه ، فلا تذمها بالنسبة إلى الكبر وأذى الزوج ، وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ أي : تخفى في نفسك نكاحها إن طلقها زيد ، وقد أبداه اللّه وأظهره ، وقيل : الذي أخفاه في نفسه : تعلق قلبه بها ، ومودة مفارقة زيد إياها . قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي : والصواب أن المعنى : وتخفى في نفسك ما اطلعت عليه ؛ من مفارقة زيد لها ، وتزوجك إياها بعده ، فإن هذا هو الذي أبداه سبحانه وأظهره بعد ذلك . وأما قوله : وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ ، فإنما يعنى به الحياء من الناس في أن يقابلهم بما يسوءهم ، وهو إخبار زيد بما أطلعه اللّه عليه من صيرورة زوجته زينب له ، بعد مفارقة زيد لها ، لأنه لم يؤمر بإفشاء ذلك ، وإلا لبلّغ من غير روية ولا حشمة ، سالكا في ذلك سنّة من خلا قبله من الأنبياء ، الذين لا يخشون في التبليغ أحدا إلا اللّه . وقال القشيري : أي : تخشى عليهم أن يقعوا في الفتنة في قصة زيد [ والفتنة التي يقعون فيها هي ظنهم أنه عليه الصلاة والسلام عشقها ، وأمره بطلاقها ] وكانت تلك الخشية إشفاقا منه عليهم ، ورحمة لهم ألا يطيقوا سماع هذه الحالة ، بأن يخطر ببالهم ما ليس في وسعهم . وأما قوله : أَمْسِكْ عَلَيْكَ . . . . الآية - مع علمه بما يؤول إليه الأمر في العاقبة ، بما أطلعه اللّه عليه من فراقه لها - فإقامة للشريعة . ه . ملخصا . وفي الوجيز : وَتَخْشَى النَّاسَ أي : تكره مقالة الناس لو قلت طلّقها ، فيقال : أمر رجلا فطلق امرأته ثم تزوجها . وقد نقل في نوادر الأصول عن علىّ بن الحسين : أن اللّه أعلم نبيه أنها تكون من أزواجه ، فأخفى ذلك . فلما جاء زيد يشكوها ؛ قال له : اتق اللّه ، وأمسك عليك زوجك « 1 » ، قال : فعلىّ بن حسين جاء بها من خزانة العلم ، جوهرا من الجواهر ، ودرّا من الدرر ، وأنه إنما عتب اللّه عليه في أنه قد أعلمه ، ثم قال بعد ذلك لزيد : أمسك . .

--> ( 1 ) أخرجه الطبري ( 22 / 13 ) .