ابن عجيبة

434

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وكذلك أخوها ، فأنكحها صلى اللّه عليه وسلم زيدا ، فدخل بها ، وساق إليها النبي صلى اللّه عليه وسلم عشرة دنانير ، وستين درهما ، وملحفة ، ودرعا ، وإزارا ، وخمسين مدّا من طعام ، وثلاثين صاعا من تمر « 1 » . وقيل نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ، وكانت من أول من هاجر من النساء ، فوهبت نفسها للنبي صلى اللّه عليه وسلم فقبلها ، وقال : زوجتها من زيد ، فسخطت هي وأخوها ، وقالا : إنما أردنا النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، فنزلت « 2 » . والأول أصح . وإنما جمع الضمير في « لهم » ، وكان من حقه أن يوحّد ؛ لأن المذكورين وقعا نكرة في سياق النفي ، فعمّا كل مؤمن ومؤمنة ، فرجع الضمير إلى المعنى ، لا إلى اللفظ . والخيرة : ما يتخير ، وفيه لغتان : سكون الياء ، وفتحها ، وتؤنث وتذكر باعتبار الفعل ؛ لمجاز تأنيثها . وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فيما اختار وقضى فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً ؛ بيّن الانحراف عن الصواب . فإن كان العصيان عصيان رد وامتناع عن القبول فهو ضلال كفر ، وإن كان عصيان فعل ، مع قبول الأمر ، واعتقاد الوجوب ، فهو ضلال فسق . ثم إن زينب مكثت عند زيد زمانا ، فأتى عليه الصلاة والسلام ذات مرة دار زيد ، لحاجة ، فأبصرها في درع وخمار ، فوقعت في نفسه ، وذلك لما سبق في علم اللّه من كونها له . فقال : « سبحان مقلب القلوب » « 3 » ، وكانت نفسه قبل ذلك تنفر منها ، لا تريدها ، فانصرف ، وسمعت زينب بالتسبيحة ، فذكرتها لزيد ، ففطن ، وألقى في نفسه كراهيتها والرغبة عنها في الوقت ، وقال : يا رسول اللّه ؛ إني أريد فراق صاحبتي ؟ فقال : « مالك ، أرابك منها شئ ؟ »

--> ( 1 ) انظر تفسير البغوي ( 6 / 353 ) . ( 2 ) أخرجه ابن جرير في التفسير ( 22 / 12 ) وعزاه السيوطي في الدر ( 5 / 381 ) لابن أبي حاتم . عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم . والحديث معضل . ( 3 ) قال الحافظ ابن حجر في الكافي ( ص 134 رقم 224 ) : ( ذكره الثعلبي بغير سند ، وأخرج الطبري « 22 / 13 » معناه من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ) قلت : هذه الرواية ، وإن ساقها عدد من المفسرين ، إلا أن العلماء المحققين ردوها ؛ فالروايات كلها جاءت من طرق ضعيفة ، ولا يوجد شئ منها في كتب الحديث المعتمدة ، والذي جاء في الصحيح يخالف ذلك . ولا يجوز أن يستند إلى روايات ضعيفة في إثبات خبر فيه نيل من عصمة المعصوم صلى اللّه عليه وسلم . قال الحافظ ابن كثير في تفسيره : ( 3 / 490 ) : ( ذكر ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، هاهنا ، آثارا عن بعض السلف ، أحببنا أن نضرب عنها صفحا ؛ لعدم صحتها ، فلا نوردها ) - ثم إن السيدة « زينب بن جحش » - رضى اللّه عنها - ابنه عمته ، ويعرفها مذ كانت طفلة حتى كبرت ، وهو الذي زوّجها لمولاه زيد ، وكان بإمكانه أن يتزوجها قبل أن يزوجها زيدا . فغير معقول - والحال كما ذكر - أن يزوجها لغيره ثم يرغب فيها . والحق في المسألة ما سيذكره الشيخ ابن عجيبة بعد ، نقلا عن الشيخ عبد الرحمن الفاسي من أن المعنى : وتخفى في نفسك ما اطلعت عليه من مفارقة زيد لها ، وتزوجك إياها بعده . . . إلخ كلامه . للمزيد راجع : الشفاء للقاضي عياض ( 2 / 878 - 880 ) روح المعاني للألوسى ، ( 22 / 24 - 25 ) الإسرائيليات والموضوعات للدكتور محمد أبى شهبة ( 323 - 328 ) .