ابن عجيبة

433

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم يتحقق بأوصاف الكمال ؛ كالسخاء والكرم ، فيبذل ما عنده في مرضات ربه ، فيكون من المتصدقين بأموالهم وأنفسهم ، حتى لا يكون لأحد معهم خصومة فيما أخذوا منهم وقالوا فيهم ، ثم يصوم عن شهود السّوى ، ثم يحفظ فرجه عن وقاع الشهوة والهوى ، فلا ينزل إلى سماء الحقوق ، أو أرض الحظوظ ، إلا بالإذن والتمكين ، والرسوخ في اليقين . ثم يكون من المستهترين بذكر اللّه ، أعنى ذكر الروح والسر ، وهو مقام الإحسان ، الذي هو محل العيان ، فيكون ذاكرا باللّه ، مذكورا في حضرة اللّه ، مشهورا في ملكوت اللّه . جعلنا اللّه منهم بمنّه وكرمه . ثم ذكر قضية تزويجه - عليه الصلاة والسلام - زينب ، مناسبا للحافظين فروجهم ، فقال : [ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 36 ] وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً ( 36 ) يقول الحق جل جلاله : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ أي : ما صحّ لرجل مؤمن ، ولا امرأة مؤمنة ، إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً من الأمور أَنْ يَكُونَ « 1 » لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ أي : أن يختاروا من أحدهم شيئا ، بل الواجب عليهم أن يجعلوا رأيهم تبعا لرأيه ، واختيارهم تلوا لاختياره . نزلت في زينب بنت جحش ، وأخيها ؛ عبد اللّه بن جحش . وكانت زينب بنت أميمة بنت عبد المطلب ، عمة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فخطبها - عليه الصلاة والسلام - لمولاه زيد بن حارثة ، فلما خطبها ، ظنت أنه يخطبها لنفسه ، فرضيت ، فلما علمت أنه خطبها لزيد كرهت وأبت ، وقالت : أنا أم نساء قريش ، وابنة عمتك ، فلم أكن أرضه لنفسي ، وكذلك قال أخوها . وكانت بيضاء جميلة ، وكان فيها بذاذة ، فأنزل اللّه الآية « 2 » ، فأعلمهم أنه لا اختيار لهم على ما قضى اللّه ورسوله . فلما نزلت الآية إلى قوله : مُبِيناً قالت : رضيت يا رسول اللّه ، وجعلت أمرها بيد النبي صلى اللّه عليه وسلم

--> ( 1 ) قرأ عاصم ، وحمزة ، والكسائي : ( يكون ) بالياء من تحت . وقرأ الباقون بالتاء وقد أثبت المفسر - رحمه اللّه - قراءة التاء . انظر الإتحاف ( 2 / 376 ) . ( 2 ) أخرجه ابن جرير في التفسير ( 22 / 11 ) .