ابن عجيبة
425
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ولمّا نصر اللّه رسوله ، وفرّق عنه الأحزاب ، وفتح عليه قريظة والنضير ، ظن أزواجه أنه اختص بنفائس أموال اليهود وذخائرهم ، فقعدن حوله : وقلن : يا رسول اللّه ؛ بنات كسرى وقيصر في الحلي والحلل والإماء والخول « 1 » ونحن على ما تراه من الفاقة والضيق ، وآلمن قلبه - عليه الصلاة والسلام - لمطالبتهن له بتوسعة الحال ، وأن يعاملهن به بما يعامل به الملوك والأكابر أزواجهم ، فأنزل اللّه تعالى : [ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 28 إلى 29 ] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً ( 28 ) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً ( 29 ) يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ ، وكن تسعا ؛ خمسا من قريش : عائشة بنت الصدّيق ، وحفصة بنت الفاروق ، وأم حبيبة بنت سفيان ، وسودة بنت زمعة ، وأم سلمة بنت أبي أمية ، وصفية بنت حيى الخيبرية ، من بني إسرائيل ، من ذرية هارون عليه السّلام ، وميمونة بنت الحارث الهلالية ، وزينب بنت جحش الأسدية ، وجويرية بنت الحارث المصطلقيّة . أي : فقل لهن إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها أي : التوسعة في الدنيا وكثرة الأموال والحلل ، فَتَعالَيْنَ أي : أقبلن بإرادتكن واختياركن . وأصل « تعال » أن يقوله من في المكان المرتفع لمن في المكان الأدنى ، ثم كثر استعماله في كل أمر مطلوب . أُمَتِّعْكُنَّ أي : أعطكن متعة الطلاق . وتستحب المتعة لكل مطلقة إلا المفوّضة قبل الوطء مع أخواتها ، كما في كتب الفقه . وَأُسَرِّحْكُنَّ ؛ أطلقكن سَراحاً جَمِيلًا لا ضرر فيه . وقيل : سبب نزولها : أنهن سألنه زيادة النفقة ، وقيل : آذينه بغيرة بعضهن من بعض ، فاغتم - عليه الصلاة والسلام - لذلك . وقيل : هجرهن شهرا ، فنزلت . وهي آية التخيير . فبدأ بعائشة - رضى اللّه عنها - وكانت أحبهن إليه ، فخيّرها ، وقرأ عليها القرآن ، فاختارت اللّه ورسوله والدار الآخرة ، فرؤى الفرح في وجهه صلى اللّه عليه وسلم ، ثم اختارت جميعهنّ اختيارها . وروى أنه قال لعائشة : « إنّى ذاكر لك أمرا ، ولا عليك ألا تعجلي فيه حتّى تستأمري أبويك » ، ثمّ قرأ عليها الآية ، فقالت : أفي هذا استأمر أبوىّ ؟ فإنّى أريد اللّه ورسوله والدّار الآخرة « 2 » .
--> ( 1 ) خول الرّجل : حشمه وأتباعه ، واحدهم : خائل ، وقد يكون واحدا . وهو مأخوذ من التخويل ، أي : التمليك ، وقيل : من الرعاية . انظر النهاية ( 2 / 88 ) واللسان ( خول 2 / 1293 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري في ( التفسير ، سورة الأحزاب ، ح 4785 ) ومسلم في ( الطلاق ، باب بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقا إلا بالنية 2 / 1103 ، ح 1475 ) من حديث سيدنا جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنه .