ابن عجيبة
426
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وحكم التخيير في الطلاق : أنه إذا قال لها : اختاري ، فقالت : اخترت نفسي ، أن تقع تطليقة واحدة بائنة ، وإذا اختارت زوجها ؛ لم يقع شئ . قاله النسفي . وقال ابن جزى : وإذا اختارت المرأة الطلاق ؛ فمذهب مالك : أنه ثلاث ، وقيل : طلقة بائنة . وقيل : رجعية . ووصف السراح بالجميل ؛ يحتمل أن يريد أنه دون الثلاث ، أو : يريد الثلاث ، وجماله : حسن المرعى ، والثناء ، وحفظ العهد . ه . وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ ، « من » : للببان ، أَجْراً عَظِيماً ، فاخترن - رضى اللّه عنهن - ما هو مناسب لحاله - عليه الصلاة والسلام - ، حين خيّر بين أن يكون نبيا عبدا ، أو نبيا ملكا ، فاختار أن يكون نبيا عبدا ، لا ملكا . فاخترن العبودية ، التي اختارها - عليه الصلاة والسلام . الإشارة : ينبغي لمن قلّده اللّه نساء متعددة أن يخيّرهن ، اقتداء برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؛ إذ لا يخلو من حال الغيرة ، فإذا خيّرهن فينبغي أن يغيب عن تشغيبهن ، ولم يصغ بأذنه إلى حديثهن ، ولا ينبغي أن يغتم من أجل الغيرة ، فإنها طبع لازم للبشر ، وليقدّر في نفسه : أنه إذا تزوجت زوجته غيره ، وهي في عصمته ، هل يقدر على ذلك أم لا ، فالأمر واحد . واللّه أعلم . قال القشيري : لم يرد أن يكون قلب واحد من المؤمنين والمؤمنات منه في شغل ، أو يعود إلى واحد منهم أذى ، أو تعب من الدنيا ، فخيّر صلى اللّه عليه وسلم بأمر ربه نساءه ، ووفق اللّه عائشة ، حتى أخبرت عن صدق قلبها ، وكمال دينها ويقينها ، وما هو المنتظر من أصلها ونيتها . والباقيات جرين على منهاجها ، ونسجن على منوالها . ه . ثم هددهن وبشّرهن ، فقال : [ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 30 إلى 31 ] يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً ( 30 ) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً ( 31 ) يقول الحق جل جلاله : يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ ؛ بسيئة بليغة في القبح مُبَيِّنَةٍ ؛ ظاهر فحشها ، من : بيّن ، بمعنى : تبيّن . وقرأ المكي وشعبة بفتح الياء ، وهي عصيانهنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ونشوزهن . قال في المقدمات : كل فاحشة نعتت في القرآن بالبينة فهي بالنطق ، والتي لم تنعت بها زنى . ه . يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ أي : ضعفي عذاب غيرهنّ من النساء ؛ لأن الذنب منهن أقبح ؛ فإنّ قبح الذنب يتبع زيادة فضل