ابن عجيبة
414
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
إِذْ جاؤُكُمْ هو بدل من : ( إذ جاءتكم ) ، مِنْ فَوْقِكُمْ ؛ من أعلى الوادي ، من قبل المشرق . وهم بنو غطفان . وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ؛ من أسفل الوادي من قبل المغرب ، وهم قريش . وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ ؛ مالت عن مستوى نظرها ؛ حيرة وشخوصا . أو : مالت إلى عدوها ؛ لشدة الخوف ، وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ ؛ رعبا . والحنجرة : رأس الغلصمة ، وهي منتهى الحلقوم ، الذي هو مدخل الطعام والشراب . قالوا : إذا انتفخت الرئة ، من شدة الفزع والغضب ، ربت ، وارتفع القلب بارتفاعها إلى رأس الحنجرة . وقيل : هو مثل في اضطراب القلوب ، وإن لم تبلغ الحناجر حقيقة . روى أن المسلمين قالوا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : هل من شئ نقوله ، فقد بلغت القلوب الحناجر ؟ قال : « نعم ، قولوا : اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا » « 1 » . وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ؛ الأنواع من الظن . والمؤمنون أصناف ؛ منهم الأقوياء ، ومنهم الضعفاء ، ومنهم المنافقون . فظن الأقوياء ، المخلصون ، الثبت القلوب ؛ أن ينجز اللّه وعده في إعلاء دينه ، ويمتحنهم ، فخافوا الزلل وضعف الاحتمال ، وأما الآخرون ؛ فظنوا ما حكى عنهم ، وهم الذين زاغت أبصارهم ، وبلغت قلوبهم الحناجر ، دون الأقوياء رضى اللّه عنهم ، وقرأ أبو عمرو وحمزة : الظنون ؛ بغير ألف ، وهو القياس . وبالألف فيهما : نافع ، والشامي ، وشعبة ؛ إجراء للوصل مجرى الوقف . والمكىّ ، وعلىّ ، وحفص : بالألف في الوقف . ومثله : الرَّسُولَا « 2 » و ( السبيلا ) « 3 » ، زادوها في الفاصلة ، كما زادوها في القافية ، كقوله : « أقلّى اللّوم ، عاذل ؛ والعتابا » « 4 » وهو في الإمام : بالألف . هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ أي : اختبروا ، فظهر المخلص من المنافق ، والثابت من المزلزل ، وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً ؛ وحركوا ، بالخوف ، تحريكا شديدا . الإشارة : يا أيها الذين آمنوا إيمان الخصوص ؛ اذكروا نعمة اللّه عليكم بالتأييد والنصر ، فحين توجّهتم إلىّ ، ودخلتم في طريق ولايتي ، رفضتكم الناس ، ونكرتكم ، ورمتكم عن قوس واحدة ، فجاءتكم جنود الخواطر والوساوس
--> ( 1 ) أخرجه أحمد ( 3 / 3 ) عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه . ( 2 ) من الآية 66 من سورة الأحزاب . ( 3 ) من الآية 67 من سورة الأحزاب . وانظر الحجة لأبى على الفارسي ( 5 / 468 - 469 ) . ( 4 ) صدر بيت لجرير ، وعجزه : وقولي - إن أصبت - لقد أصابا . انظر : معاني القرآن للزجاج ( 4 / 218 ) .