ابن عجيبة
415
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
من كل جانب ، حتى هممتم بالرجوع أو الوقوف . وإذ زاغت الأبصار : مالت عن قصدها ؛ بالاهتمام بالرجوع ، وبلغت القلوب الحناجر ، ممن كان ضعيف الإرادة واليقين ، وتظنون باللّه الظنونا ، فمنهم من يظن الامتكان بعد الامتحان ، فيفرحون بالبلاء ، ومنهم من يظن أنه عقوبة . . . إلى غير ذلك ، هنالك ابتلى المؤمنون المتوجهون ؛ ليظهر الصادق ، في الطلب ، من الكاذب فيه ، فعند الامتحان يعز المرء أو يهان ، ويظهر الخوّافون من الشجعان ، وزلزلوا زلزالا شديدا ؛ ليتخلصوا ويتمحصوا ، كما يتخلص الذهب والفضة من النحاس ، ومن عرف ما قصد ؛ هان عليه ما ترك . قال القشيري : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ . . يعنى : بمقابلتها بالشكر ، وتذكّر ما سلف من الذي دفع عنك ، يهون عليك مقاساة البلاء في الحال . وبذكرك لما أولاك في الماضي ؛ يقرب من الثقة بوصول ما تؤمّله في الاستقبال . فمن جملة ما ذكّرهم قوله : إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ . . . الآية : كم بلاء صرفه عن العبد وهو لا يشعر ، وكم شغل كنت بصدده ، فصده عنك ولم تعلم ، وكم أمر صرفه ، والعبد يضج ، وهو - سبحانه - يعلم أن في تيسيره هلاكه ، فيمنعه منه ؛ رحمة عليه ، والعبد يتهمه ويضيق به صدره ! . ه . ثم ذكر سبحانه نتيجة الابتلاء ، فقال : [ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 12 إلى 14 ] وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً ( 12 ) وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِراراً ( 13 ) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلاَّ يَسِيراً ( 14 ) يقول الحق جل جلاله : وَ اذكر إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ : عطف تفسير ؛ إذ هو وصف المنافقين ، كقول الشاعر : إلى الملك القرم ، وابن الهمام * وليث الكتيبة في المزدحم فابن الهمام هو القرم ، والقرم - بالراء - : السيد . وقيل : الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ، هم الذين لا بصيرة بهم في الدين من المسلمين ، كان المنافقون يستميلونهم بإدخال الشّبه عليهم ، قالوا ، عند شدة الخوف : ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً .