ابن عجيبة
344
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ ؛ صدقة ، تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ ؛ تبتغون به وجهه ؛ خالصا ، لا تطلبون به زيادة ، ولا مكافأة ، ولا سمعة ، فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ أي : ذوو الأضعاف من الحسنات ، من سبعمائة فأكثر . ونظير المضعف : المقوي ، والموسر ، لذي القوة واليسار . والالتفات إلى الخطاب في ( أولئك . . . ) إلخ في غاية الحسن ؛ لما فيه من التعظيم ، كأنه خاطب الملائكة وخواص الخلق ؛ تعريفا بحالهم ، وتنويها بقدرهم ، ولأنه يفيد التعميم ، كأنه قيل : من فعل هذا فسبيله سبيل المخاطبين المقبول عليهم . ولا بد من ضمير يعود إلى « ما » الموصولة ، أي : المضعفون به . أو : فمؤتوه أولئك هم المضعفون . وقال الزجاج : أي : فأهلها هم المضعفون ، أي : يضاعف لهم الثواب ، من عشر إلى سبعمائة . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : البسط والقبض يتعاقبان على العبد تعاقب الليل والنهار . فالواجب على العبد : الرجوع إلى اللّه في السراء والضراء ، فالبسط يشهد فيه المنّة من اللّه ، ومقتضى الحق منك الحمد والشكر . والقبض يشهده من اللّه ؛ امتحانا وتصفية ، ومقتضى الحق منك الصبر والرضا ، وانتظار الفرج من اللّه ؛ فإن انتظار الفرج ، مع الصبر ، عبادة . قال القشيري : الإشارة إلى ألا يعلّق العبد قلبه إلا بالله ؛ لأنّ ما يسوءهم ليس زواله إلا من اللّه ، وما يسرهم ليس وجوده إلا من اللّه . فالبسط ، الذي يسرهم ويؤنسهم منه ، وجوده ، والقبض ، الذي يسوءهم ويوحشهم منه ، حصوله . فالواجب : لزوم [ عهوده بالإسرار ] « 1 » ، وقطع الأفكار عن الأغيار . ه . وقال في قوله : فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ : القرابة على قسمين ؛ قرابة النسب وقرابة الدين ، وهي أمسّ ، وبالمواساة أحقّ . وإذا كان الرجل مشتغلا بالعبادة ، غير متفرغ لطلب المعيشة ، فالذي له إيمان بحاله ، وإشراف على وقته ، يجب عليه أن يقوم بشأنه ، بقدر ما يمكنه ، مما يكون له عون على طاعته ، مما يشوش قلبه ، من حديث عياله ، فإن كان اشتغال الرجل بشئ من مراعاة القلب فحقّه آكد ، وتفقّده أوجب ، ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ ، والمريد هو الذي يؤثر حقّ اللّه على حظّ نفسه . فإيثار الإخوان ، لمن يريد وجه اللّه ، أتمّ من مراعاة حال نفسه ، فهمّه بالإحسان لذوي القربى والمساكين يتقدم على نظره لنفسه وعيلته ، وما يهمه من نصيبه . ه . وقال في قوله : يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ : لا تستخدم الفقير بما تريده به من رفق ، بل أفضل الصدقة على ذي رحم كاشح ، أي : قاطع ؛ حتى يكون إعطاؤه للّه مجردا عن كل نصيب لك . فهؤلاء هم الذين يتضاعف أجرهم بمجاهدتهم [ لنفوسهم ] « 2 » ، حيث يخالفونها ، وفوزهم بالعوض من قبل اللّه . ثم الزكاة هي التطهير ، فتطهير المال
--> ( 1 ) في القشيري [ عقوة الأسرار ] . ( 2 ) في الأصول [ لنفسهم ] .