ابن عجيبة

345

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

معلوم ببيان الشريعة ، وزكاة البدن وزكاة القلب ، وزكاة السرّ ، كلّ ذلك يجب القيام به . ه . قلت : فزكاة البدن : إتعابه في القيام بوظائف العبودية الظاهرة ، وزكاة القلب : تطهيره من الرذائل وتحليته بالفضائل ، وزكاة السر : صيانته من الميل إلى شئ من السّوى . واللّه تعالى أعلم . ثم برهن على وحدانيته ، فقال : [ سورة الروم ( 30 ) : آية 40 ] اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 40 ) قلت : ( اللّه ) : مبتدأ ، و ( الذي خلقكم ) : خبر . يقول الحق جل جلاله : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ؛ أظهركم ثُمَّ رَزَقَكُمْ ما تقوم به أبدانكم ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ عند انقضاء آجالكم ، ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ؛ عند بعثكم ؛ ليجازيكم على فعلكم ، أي : هو المختص بالخلق ، والرزق ، والإماتة ، والإحياء . هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ ؛ أصنامكم مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ أي : من الخلق ، والرزق ، والإماتة ، والإحياء ، مِنْ شَيْءٍ أي : شيئا من تلك الأفعال ؟ فلم يجيبوا ، عجزا ، فقال ؛ استبعادا وتنزيها : سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ . و « من » ؛ الأولى ، والثانية ، والثالثة : زوائد ؛ لتأكيد عجز شركائهم ، وتجهيل عبدتهم . الإشارة : ذكر الحق تعالى أربعة أشياء متناسقة أنه هو فاعلها ، فأقر الناس بثلاثة ، وشكّوا في الرزق ، وقالوا : لا يكون إلا بالسبب ، والسبب إنما هو ستر لسر الربوبية . فإذا تحقق وجوده في حق العامة ارتفع في حق الخاصة ، فيرزقهم بلا سبب ، لقوله تعالى : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ « 1 » . قال القشيري : حين قذفك في بطن أمّك قد كنت غنيا عن الأكل والشراب بقدرته ، أو مفتقرا إليه ، فأجرى رزقه عليك مع الطمث ، على ما قالوا ، وإذا أخرجك من بطن أمك رزقك على الوجه المعهود في الوقت المعلوم ، فيسر لك أسباب الشرب والأكل من لبن الأم ، ثم من فنون الطعام ، ثم أرزاق القلوب والسرائر ؛ من الإيمان والعرفان ، وأرزاق التوفيق ؛ من الطاعات والعبادات ، وأرزاق اللسان ؛ من الأذكار ، وغير ذلك مما جرى ذكره . ثُمَّ يُمِيتُكُمْ

--> ( 1 ) الآيتان : 2 - 3 من سورة الطلاق .