ابن عجيبة
321
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الإشارة : الحرم الآمن ، في هذه الدار ، هو التبتل والانقطاع عن الدنيا وأبنائها ، والتجريد من أسبابها ، فمن دخله أمن ظاهرا وباطنا ، ومن هجرها ، وترك الناس حوله يتخطفون ويتهارجون عليها ، وهو يتفرج عليهم ، فالدنيا جيفة والناس كلابها ، فإن خالطتهم ناهشوك ، وإن تركت لهم جيفتهم سلمت منهم ، فمن كذّب بهذا فقد كذّب بالحق وآمن بالباطل ، فلا أحد أظلم منه . وباللّه التوفيق . ثم ذكر مآل أهل الجد والاجتهاد ممن تبتل وانقطع إلى اللّه فقال : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 69 ] وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ( 69 ) يقول الحق جل جلاله : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا ، أطلق المجاهدة ولم يقيدها بمفعول ؛ ليتناول من تجب مجاهدته من النفس والشيطان وأعداء الدين ، أي : جاهدوا نفوسهم في طلبنا ، أو في حقنا ، ومن أجلنا ، ولوجهنا ، خالصا ، لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا أي : طرق السير إلينا ، والوصول إلى حضرتنا ، أو لنسهلنهم فعل الخير حتى يصلوا إلى جنابنا . وعن الداراني : والذين جاهدوا بأن عملوا بما علموا ، لنهدينهم إلى علم ما لم يعلموا . وقال الفضيل : والذين جاهدوا في طلب العلم ، أي : للّه ، لنهدينهم سبل العمل . وقال سهل : والذين جاهدوا في إقامة السنّة ، لنهدينهم سبل الجنة . وقال ابن عطاء : جاهدوا في إرضائنا ؛ لنهدينهم سبل الوصول إلى محل الرضوان . وقال ابن عباس : جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا . وقال الجنيد : جاهدوا في التوبة ، لنهدينهم سبل الإخلاص ، أو : جاهدوا في خدمتنا ؛ لنمنحنهم سبل المناجاة معنا والأنس بنا ، وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ بالنصر والمعونة في الدنيا ، وبالثواب والمغفرة في العقبى . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : المجاهدة ، على قدرها تكون المشاهدة ، فمن لا مجاهدة له لا مشاهدة له . وبالمجاهدة تميزت الخصوص من العموم ، وبها تحقق سير السائرين ، فالعموم وقفوا مع موافقة حظوظهم ؛ من الجاه والغنى وغيره ، والخصوص خالفوا نفوسهم ، ورفضوا حظوظهم ، وخرقوا عوائدهم ، فخرقت لهم العوائد ، وانكشفت عنهم الحجب ، وشاهدوا المحبوب . فجاهدوا أولا في ترك الدنيا ، وتحملوا مرارة الفقر ، حتى تحققوا بمقام التوكل ، ثم جاهدوا في ترك الجاه والرئاسة ، فتحققوا بالخمول ، وهو أساس الإخلاص ، ثم جاهدوا في مخالفة النفس ، فحمّلوها كل ما يثقل