ابن عجيبة
300
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
فقد الطاقة ، كما قالوا : رحب الذراع ، إذا كان مطيقا للأمور ، والأصل فيه : أن الرجل إذا طالت ذراعه نال ما لا يناله القصير ، فاستعير للطاقة والقوة وعدمها . وَقالُوا ، لمّا رأوا فيه أثر الضجر والخوف : لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ على تمكنهم منا ، إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ أي : وننجى أهلك ، فالكاف في محل الجر ، و « أهلك » : نصب بفعل محذوف ، إِلَّا امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ . في الكلام حذف يدل عليه ما في هود « 1 » ، أي : لا تخف ولا تحزن من أجلنا ، إنهم لن يصلوا إليك ونحن عندك ، بل يهلكون جميعا ، وأما أنت ؛ فإنا منجوك . . إلخ ؛ لأن خوفه إنما كان عليهم لا على نفسه . أو يقدر : إنا منجوك وأهلك بعد هلاكهم . ثم قالوا : إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً ؛ عذابا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ؛ بسبب فسقهم . وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها ؛ من القرية آيَةً بَيِّنَةً ، هي حكايتها الشائعة ، أو آثار منازلهم الخربة ، وقيل : الماء الأسود على وجه الأرض ، حيث بقيت أنهارهم مسودة ، وقيل : الحجارة المسطورة ، فإنها بقيت بعدهم آية لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ؛ يستعملون عقولهم في الاعتبار والاستبصار . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : قوله تعالى : وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ قال القشيري : من جملة المنكر : تخلية الفسّاق مع فسقهم ، وترك القبض على أيديهم ، ومن ذلك : ترك الاحتشام للشيوخ والأكابر . ه . وقال في قوله تعالى : إِنَّ فِيها لُوطاً ، لما أخبروه بمقصدهم من إهلاك قوم لوط ، تكلم في شأن لوط ، إلى أن قالوا : لَنُنَجِّيَنَّهُ . . إلخ ، فدلّ ذلك على أن اللّه تعالى لو أراد إهلاك لوط ، ولو كان بريئا ، لم يكن ظلما ، لو كان ذلك قبيحا لما كان إبراهيم - مع وفر علمه - يشكل عليه ، حتى كان يجادل عنه ، بل للّه أن يعذّب من يعذّب ويعافى ، من يعافى بلا حجر ه . قال شيخ شيوخنا الفاسي في حاشيته : وما ذكره واضح من حيث العقيدة ، وإن كانت الآية ، وقول إبراهيم يحتمل أن يكون من نوع قوله تعالى : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ « 2 » . والمعنى الأول معلوم من قوله تعالى : قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ « 3 » الآية . ه . قلت : ظاهر قوله تعالى : يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ « 4 » ؛ أن مجادلته كانت عن قومه فقط ؛ لغلبة الشفقة عليه ، كما هو شأنه ، ولذلك
--> ( 1 ) في قوله تعالى : قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ . . الآية 81 . ( 2 ) من الآية 33 من سورة الأنفال . ( 3 ) الآية 17 من سورة المائدة . ( 4 ) من الآية 74 من سورة هود .