ابن عجيبة

301

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قال تعالى : إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ . . . حتى قال له تعالى : يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا « 1 » لمّا تحتّم عليهم العذاب ، فتأمله . ثم ذكر قصة شعيب ، فقال [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 36 إلى 37 ] وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ( 36 ) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ ( 37 ) يقول الحق جل جلاله : وَ أرسلنا إِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً ، فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وحده ، وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ أي : خافوه ، واعملوا ما ترجون به الثواب فيه ، وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ؛ قاصدين الفساد ، فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ؛ الزلزلة الشديدة ، أو : الصيحة من جبريل عليه السّلام ؛ لأن القلوب رجفت بها ، فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ ؛ بلدهم وأرضهم ، جاثِمِينَ ؛ باركين على الركب ؛ ميتين . الإشارة : العبادة مع الغفلة عن العواقب الغيبية المستقبلة ، لا جدوى لها ، كأنها عادة ، وخوف العواقب ، من غير استعداد لها ، خذلان ، والاجتهاد في العمل ، مع ارتقاب العواقب الغيبية ، فلاح ، من شأن أهل البصائر ، كما قال تعالى في حق من مدحهم من أكابر الرسل : أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ « 2 » . ثم ذكر قوم هود وصالح وموسى - عليهم السلام - فقال : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 38 إلى 40 ] وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ( 38 ) وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ ( 39 ) فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 40 )

--> ( 1 ) الآيتان : 75 - 76 من سورة هود . ( 2 ) الآيتان : 45 - 46 من سورة « ص » .