ابن عجيبة
299
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
للمجلس : ناد ، إلا ما دام فيه أهله ، الْمُنْكَرَ ؛ فعلهم الفاحشة بالرجال ، أو : المضارطة ، أو : السباب والفحش في المزاح ، أو : الحذف بالحصى ، أو : مضغ العلك ، أو الفرقعة . وعن أم هانئ - رضى اللّه عنها - أنها سألت النبي صلى اللّه عليه وسلم عن قوله : وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ ؟ فقال : « كانوا يحذفون من يمّر بهم الطريق ، ويسخرون منهم » « 1 » . وقال معاوية : قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن قوم لوط كانوا يجلسون في مجالسهم ، وعند كل رجل قصعة من الحصى ، فإذا مر بهم عابر قذفوه ، فأيهم أصابه ؛ كان أولى به » « 2 » . فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فيما تعدنا من نزول العذاب ، أو في دعوى النبوة ، المفهومة من التوبيخ ، قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بإنزال العذاب عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ بابتداع الفاحشة وحمل الناس عليها ، وسنّها لمن بعدهم . وصفهم بذلك ؛ مبالغة في استنزال العذاب ، وإشعارا بأنهم أحقاء بأن يعجل لهم العذاب . وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى ، جاءت الملائكة بالبشارة لإبراهيم ؛ بالولد ، والنافلة إسحاق ، ويعقوب ، أي : مروا عليه ، حين كانوا قاصدين قوم لوط ، قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ ؛ سدوم ، والإشارة بهذه القرية تشعر بأنها قريبة من موضع إبراهيم عليه السّلام ، قالوا : إنها كانت على مسيرة يوم وليلة من موضع إبراهيم ، قاله النسفي . إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ ، تعليل للإهلاك ، أي : إن الظلم قد استمر منهم في الأيام السالفة ، وهم عليه مصرّون ، وهو كفرهم وأنواع معاصيهم . قالَ إبراهيم : إِنَّ فِيها لُوطاً أي : أتهلكونهم وفيهم من هو برئ من الظلم ، أو : وفيهم نبي بين أظهرهم ؟ قالُوا أي : الملائكة : نَحْنُ أَعْلَمُ منك بِمَنْ فِيها ، لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ ؛ الباقين في العذاب . ثم أخبر عن مسير الملائكة إلى لوط بعد مفارقتهم إبراهيم ، فقال : وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ أي : ساءه مجيئهم وغمه ، مخافة أن يقصدهم قومه بسوء . و « أن » : صلة ؛ لتأكيد الفعلين ، وترتيب أحدهما على الآخر ، كأنهما وجدا في جزء واحد من الزمان ، كأنه قيل : لمّا أحس بمجيئهم فاجأته المساءة من غير ترتيب . وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً أي : ضاق بشأنهم وتدبير أمرهم ذرعه وطاقته ، وقد جعلوا ضيق الذرع والذراع عبارة عن
--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند ( 6 / 341 ) ، والترمذي وحسّنه في ( التفسير ، سورة العنكبوت ، 5 / 319 ، ح 3190 ) ، وصححه الحاكم ( 2 / 409 ) ، ووافقه الذهبي . وأخرجه الطبري ( 20 / 145 ) ، والبغوي في التفسير ( 6 / 239 ) . ( 2 ) انظر تفسير البغوي ( 6 / 240 ) .