ابن عجيبة

288

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم حذّر من طاعة من يرد عن التوحيد والإخلاص ، فقال : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 8 إلى 9 ] وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 8 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ ( 9 ) قلت : « وصى » : حكمه حكم « أمر » ، يقال : وصيت زيدا بأن يفعل خيرا ، كما تقول : أمرته بأن يفعل خيرا ، ومنه : وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ « 1 » ، أي : أمرهم بكلمة التوحيد ووصاهم عليها . يقول الحق جل جلاله : وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ ؛ أمرناه بإيتاء والديه حُسْناً أي : فعلا ذا حسن ، أو : ما هو في ذاته حسن ؛ لفرط حسنه ، كقوله : وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً « 2 » أو : وصينا الإنسان بتعاهد والديه ، وقلنا له : أحسن بهما حسنا ، أو : أولهما حسنا . وَإِنْ جاهَداكَ أي : حملاك بالمجاهدة والجد لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ أي : لا علم لك بالإلهية ، والمراد نفي العلم نفى المعلوم ، وكأنه قيل : لتشرك بي شيئا لا يصح أن يكون إلها ، وقيل : ما ليس لك به حجة ؛ لأنها طريق العلم ، فهو قوله : لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ « 3 » ، بل هو باطل عقلا ونقلا ، فَلا تُطِعْهُما في ذلك ؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق . إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ ، من آمن منكم ومن أشرك ، فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ؛ فأجازيكم حق جزائكم . وفي ذكر المرجع والوعيد تحذير من متابعتهما على الشرك ، وحث على الثبات والاستقامة في الدين . روى أن سعد بن أبي وقاص لما أسلم ، نذرت أمه ألا تأكل ولا تشرب حتى يرتد ، فشكى إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فنزلت هذه الآية والتي في لقمان « 4 » . وَالَّذِينَ آمَنُوا ؛ ثبتوا على الإيمان وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ أي : في جملتهم ، والصلاح من أبلغ صفة المؤمنين ، وهو متمنى الأنبياء ، فقال سليمان عليه السّلام : وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ « 5 » . وقال يوسف عليه السّلام : تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ « 6 » أو : في مدخل الصالحين ، وهو الجنة .

--> ( 1 ) من الآية 132 من سورة البقرة . ( 2 ) من الآية 83 من سورة البقرة . ( 3 ) من الآية 117 من سورة المؤمنون . ( 4 ) أي : قوله تعالى : وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما الآية « 15 » ونزول الآية في شأن سعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنه ، أخرجه مسلم في ( فضائل الصحابة ، باب في فضل سعد بن أبي وقاص ، 4 / 1877 ح 1748 ) وانظر أسباب النزول للواحدي ( ص 350 - 351 ) . ( 5 ) من الآية 19 من سورة النمل . ( 6 ) من الآية 101 من سورة يوسف .