ابن عجيبة

289

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الإشارة : قد وصى اللّه تعالى بطاعة الوالدين في كل شئ ، إلا في شأن التوحيد والتخلص من الشرك الجلى والخفي ، فإن ظهر شيخ التربية ومنع الوالدان ولدهما من صحبته ، ليتطهر من شركه ، فلا يطعهما ، وسيأتي في لقمان دليل ذلك ، إن شاء اللّه . وباللّه التوفيق . ثم ذكر شأن من امتحن فافتضح ، فقال : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 10 إلى 11 ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَ وَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ ( 10 ) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ ( 11 ) يقول الحق جل جلاله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ ، فيدخل في جملة المسلمين ، فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ أي : مسّه أذى من الكفرة ؛ بأن عذبوه على الإيمان ، جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ أي : جزع من ذلك كما يجزع من عذاب اللّه ، فيصرف عن الإيمان . وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ ؛ فتح أو غنيمة ، لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أي : متابعين لكم في دينكم ، ثابتين عليه بثباتكم ، فأعطونا نصيبا من المغنم . والمراد بهم : المنافقون ، أو : قوم ضعف إيمانهم فارتدوا . قال تعالى : أَ وَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ أي : هو أعلم بما في صدور العالمين . ومن ذلك ما في صدور هؤلاء من النفاق ، وما في صدور المؤمنين من الإخلاص . الإشارة : منافق أهل الإيمان هو الذي يظهر الإيمان في الرخاء ويرجع عنه في الشدة ، ومنافق الصوفية هو الذي يظهر الانتساب في السعة والجمال ، فإذا وقع البلاء والاختبار بأهل النسبة خرج عنهم ، فإذا أوذى في اللّه جعل فتنة الناس كعذاب اللّه بالقطيعة والحجاب ، ولئن جاء لأهل النسبة نصر وعز ، ليقولن : إنا كنا معكم . وقد رأينا كثيرا من هذا النوع ، دخلوا في طريق القوم ، فلما قابلتهم نيران التعرف والامتحان ؛ رجعوا القهقرى ، فعند الامتحان يعز المرء أو يهان ، وعند الحملة يتميز الجبان من الشجاع . قال القشيري : المحن تظهر جواهر الرجال ، وتدلّ على قيمتهم وأقدارهم . ثم من كانت محنته من فوات الدنيا ، أو نقص نصيبه فيها ، أو بموت قريب أو فقد حبيب ، فحقير قدره ، وكثير في الناس مثله . ومن كانت محنته في اللّه وللّه ، فعظيم قدره ، وقليل مثله ، في العدد قليل ، ولكن في القدر والخطر جليل . ه . قلت : معنى كلامه : أن