ابن عجيبة

287

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم ذكر المؤذين لهم ، فقال : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 4 إلى 7 ] أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ ( 4 ) مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 5 ) وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ( 6 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ( 7 ) يقول الحق جل جلاله : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أي : الشرك والمعاصي وإذاية المسلمين ، أَنْ يَسْبِقُونا أي : يفوتونا ، بل يلحقهم الجزاء لا محالة . و « أم » : منقطعة ، ومعنى الإضراب فيها : أن هذا الحسبان أبطل من الحسبان الأول ؛ لأن ذلك يظن أنه لا يمتحن لإيمانه ، وهذا يظن أنه لا يجازى بمساوئه ، وشبهته أضعف ، ولذلك عقّبه بقوله : ساءَ ما يَحْكُمُونَ ، أي : بئس ما يحكمون به حكمهم في صفات اللّه أنه مسبوق ، وهو القادر على كل شئ ، فالمخصوص محذوف . ثم ذكر الحامل على الصبر عند الامتحان ، وهو رجاء لقاء الحبيب ، فقال : مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ أي : يأمل ثوابه ، أو يخاف حسابه ، أو ينتظر رؤيته ، فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ المضروب للغاية لَآتٍ لا محالة . وفيه تبشير بأن اللقاء حاصل ؛ لأنه لأجل آت ، وكل آت قريب . وكل غاية لها انقضاء ، فليبادر للعمل الصالح الذي يصدق رجاءه ويحقق أمله . وَهُوَ السَّمِيعُ لما يقوله عباده ، الْعَلِيمُ بما يفعلونه ، فلا يفوته شئ . وَمَنْ جاهَدَ نفسه ، بالصبر على مشاق الطاعات ، ورفض الشهوات ، وإذاية المخلوقات ، وحبس النفس على مراقبة الحق في الأنفاس واللحظات ، فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ ؛ لأن منفعة ذلك لها ، إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ وعن طاعتهم ومجاهدتهم . وإنما أمر ونهى ؛ رحمة لهم ، ومراعاة لصلاحهم . وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ أي : الشرك والمعاصي ؛ بالإيمان والتوبة ، وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ مع غنانا عنهم ، أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ أي : أحسن جزاء أعمالهم ؛ بالفضل والكرم . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : أم حسب الذين ينكرون على أوليائي ، المنتسبين إلىّ ، أن يسبقونا ؟ بل لا بد أن نعاقبهم في الدنيا والآخرة ، إما في الظاهر ؛ بمصيبة تنزل بهم ، أو في الباطن ، وهو أقبح ، كقساوة في قلوبهم ، أو : كسل في بدنهم ، أو : شك في يقينهم ، أو : بعد من ربهم ، فإن من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب . ثم بشّر المتوجهين الذين يؤذون في جانبه ، بأن لقاءه حاصل لهم إن صبروا ، وهو الوصول إلى حضرته ، والتنعم بقربه ومشاهدته ، جزاء على صبرهم ومجاهدتهم ، وهو الغنى بالإطلاق .