ابن عجيبة
286
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ينال العبد من المكاره يسمو به إلى أعلى الدرجات وأعظم المقامات ، مع ما في ذلك من تصفية النفس وتهذيبها ، لتتهيأ لإشراق أنوار مقام الإحسان . روى أنها نزلت في ناس من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قد جزعوا من أذى المشركين ، وضاقت صدورهم من ذلك ، وربما استنكر بعضهم أن يمكّن اللّه الكفرة من المؤمنين . فنزلت مسلّية ومعلمة أن هذه هي سيرة اللّه في عباده ؛ اختبارا لهم . قال تعالى : وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ بأنواع المحن ؛ فمنهم من كان يوضع المنشار على رأسه ، فيفرق فرقتين ، وما يصرفه ذلك عن دينه ، ومنهم من كان يمشط بأمشاط الحديد ، ومنهم من كان يطرح في النار ، وما يصده ذلك عن دينه . فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ بذلك الامتحان الَّذِينَ صَدَقُوا في الإيمان بالثبات ، وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ بالرجوع عنه . ومعنى علمه تعالى به ، أي : علم ظهور وتمييز . والمعنى : وليميّزنّ الصادق منهم من الكاذب ، في الدنيا والآخرة . قال ابن عطاء : يتبيّن صدق العبد من كذبه في أوقات الرخاء والبلاء ، فمن شكر في أيام الرخاء ، وصبر في أيام البلاء ، فهو من الصادقين ، ومن بطر في أيام الدنيا ، وجزع في أيام البلاء ، فهو من الكاذبين . ه . الإشارة : سنّة اللّه تعالى في أوليائه : أن يمتحنهم في البدايات ، فإذا تمكنوا من معرفة اللّه ، وكمل تهذيبهم ، أعزهم ونصرهم ، وأظهرهم لعباده . ومنهم من يتركهم تحت أستار الخمول ، حتى يلقوه على ذلك ؛ وهم عرائس الملكوت ، ضنّ بهم أن يظهرهم لخلقه . والامتحان يكون على قدر المقام ، وفي الحديث : « أشدّ الناس بلاء : الأنبياء ، ثم الأمثل فالأمثل ، يبتلى الرجل على قدر دينه ، فإن كان في دينه صلبا ، اشتد بلاؤه ، وإن كان في دينه رقّة ، ابتلى على قدر دينه ، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشى على الأرض وما عليه من خطيئة » « 1 » . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « أشدّ الناس بلاء في الدنيا : نبي أو صفى » . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « أشدّ الناس بلاء : الأنبياء ، ثم الصالحون . لقد كان أحدهم يبتلى بالفقر ، حتى ما يجد إلا العباءة يحوّيها فيلبسها ، ويبتلى بالقمل حتى يقتله ، ولأحدهم كان أشدّ فرحا بالبلاء من أحدكم بالعطاء » « 2 » . من الجامع . واللّه تعالى أعلم .
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في ( الزهد ، باب ما جاء في الصبر على البلاء ، 4 / 520 ، ح 398 ) ، وابن ماجة في ( الفتن ، باب الصبر على البلاء ، 2 / 1334 ، ح 4023 ) ، والإمام أحمد في المسند ( 1 / 174 ) من حديث مصعب بن سعد ، بن أبي وقاص رضي اللّه عنه . ( 2 ) أخرجه بنحوه ابن ماجة في الموضع السابق ذكره . ( 4 / 1335 ، ح 4024 ) وابن أبي الدنيا في ( المرض والكفارات / 1 ) ، والحاكم ( 4 / 307 ) وصححه ، من حديث أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه . وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « يحوّيها » في النهاية : التحوية : أن يدير كساء حول سنام البعير ، ثم يركبه ، والاسم : الحويّة . انظر النهاية ( حوا 1 / 465 ) .