ابن عجيبة

276

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : قالَ قارون : إِنَّما أُوتِيتُهُ أي : المال عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أي : على استحقاق منى ، لما فىّ من العلم الذي فضلت به الناس ، وهو علم التوراة ، وكان أعلم الناس به بعد ، موسى وهارون ، وكان من العباد ، ثم كفر بعد ذلك . وذكر القشيري أنه كان منقطعا في صومعة للعبادة ، فصحبه إبليس على العبادة ، واستمر معه على ذلك ، وهو لا يشعر ، إلى أن ألقى إليه : إن ما هما عليه ، من الانقطاع عن التكسب ، وكون أمرهما على أيدي الناس ، ليس بشئ ، فرده إلى الكسب بتدريج ، إلى أن استحكم فيه حب الدنيا والجمع والمنع ، ثم تركه . ه . وقيل : المراد به علم الكيمياء ، وكان يأخذ الرصاص والنحاس فيجعلهما ذهبا . أو : العلم بوجوه المكاسب من التجارة والزراعة ، أو : العلم بكنوز يوسف « 1 » . قال تعالى : أَ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً ، أي : أو لم يكن في علمه ، من جملة العلم الذي عنده ، أن اللّه قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه وأقوى وأغنى ، وأكثر جمعا للمال ، أو أكثر جماعة وعددا ، وهو توبيخ على اغتراره بقوته وكثرة ماله ، مع علمه بذلك ؛ لأنه قرأه في التوراة ، وسمعه من حفاظ التواريخ . أو : نفى لعلمه بذلك ؛ لأنه لمّا قال : أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي ؛ قيل له : أعنده مثل ذلك العلم الذي ادعاه ، ورأى نفسه به مستوجبة لكل نعمة ، ولم يعلم هذا العلم النافع ، الذي هو الاعتبار بمن هلك قبله ، حتى يقى نفسه مصارع الهالكين . وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ، لعلمه تعالى بعملهم ، بل يدخلهم النار بغتة . أو : يعترفون بها بغير سؤال ، أو : يعرفون بسيماهم فلا يسألون ، أو : لا يسألون سؤال توبيخ ، أو لا يسأل المجرمون من هذه الأمة عن ذنوب الماضين . قال محمد بن كعب : هو كلام متصل بما قبله ، والضمير في ( ذنوبهم ) ؛ عائد على من أهلك من القرون ، أي : أهلكوا ، ولم يسأل غيرهم بعدهم عن ذنوبهم ، بل كل أحد إنما يعاتب على ما يخصه . ه . وإذا قلنا هو ؛ في القيامة فقد ورد في آيات أخر أنهم يسألون ، ويوم القيامة مواطن وطوائف . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : إذا خص اللّه عبدا بخصوصية فلا ينسبها لنفسه ، أو لحوله وقوته ، أو لكسبه ومجاهدته ، بل يشهدها منّة من اللّه عليه ، وسابق عناية منه إليه ، قال سهل رضي اللّه عنه : ما نظر أحد إلى نفسه فأفلح ، والسعيد من صرف بصره عن أفعاله وأقواله ، وفتح له سبيل رؤية منّة اللّه عليه ، في جميع الأفعال والأقوال . والشقي منّ زيّن له في عينه أفعاله وأقواله وأحواله ، ولأفتح له سبيل رؤية منّة اللّه عليه ، فافتخر بها وادعاها لنفسه ، فشؤمه أن يهلكه كما خسف بقارون ، لمّا أدعى لنفسه فضلا . ه .

--> ( 1 ) انظر تفسير ابن كثير ( 3 / 399 - 400 ) وتفسير البغوي ( 6 / 222 ) .