ابن عجيبة

258

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قلت : ( لولا ) الأولى : امتناعية ، وجوابها محذوف ، أي : ولولا أنهم قائلون ؛ إذا عوقبوا على ما قدّموا من الشرك ، محتجين علينا : ( هلا أرسلت إلينا رسولا . . ) إلخ ؛ لما أرسلناك . يقول الحق جل جلاله : وَلَوْ لا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ ، أي : عقوبة في الدنيا والآخرة ، بِما ؛ بسبب ما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ من الكفر والظلم ، ولمّا كانت أكثر الأعمال إنما تناول بالأيدي ، نسب الأعمال إلى الأيدي ، وإن كانت من أعمال القلوب ؛ تغليبا للأكثر على الأقل ، فَيَقُولُوا عند نزول العذاب : رَبَّنا لَوْ لا ؛ هلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا ينذرنا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، فلو لا احتجاجهم بذلك علينا لما أرسلناك ، فسبب الإرسال هو قولهم : هلا أرسلت . . إلخ . ولما كانت العقوبة سببا للقول جعلت العقوبة كأنها سبب الإرسال ، فدخلت « لولا » الامتناعية عليها ، فرجع المعنى إلى قولك : ولولا قولهم هذا ، إذا أصابتهم مصيبة ، لما أرسلناك . فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا ؛ القرآن المعجز ، أو الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، قالُوا أي : كفار مكة ؛ اقتراحا وتعنتا : لَوْ لا : هلا أُوتِيَ من المعجزات مِثْلَ ما أُوتِيَ ؛ أعطى مُوسى من اليد والعصا ، ومن الكتاب المنزل جملة . قال تعالى : أَ وَلَمْ يَكْفُرُوا أي : أبناء جنسهم ، ومن مذهبهم على مذهبهم ، وعنادهم مثل عنادهم ، وهم الكفرة في زمن موسى عليه السّلام ، قد كفروا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ ؛ من قبل القرآن ، قالُوا في موسى وهارون : سِحْرانِ « 1 » تَظاهَرا : تعاونا ، أو : في موسى ومحمد - عليهما السلام - بإظهار تلك الخوارق ، أو بتوافق الكتابين . وقرأ الكوفيون : « سحران » ؛ بتقدير مضاف ، أي : ذوا سحر ، أو : جعلوهما سحرين ؛ مبالغة في وصفهما بالسحر . وَقالُوا أي : كفرة موسى وكفرة محمد صلى اللّه عليه وسلم : إِنَّا بِكُلٍّ ؛ بكل واحد منهما كافِرُونَ . وقيل : إن أهل مكة ، لمّا كفروا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم وبالقرآن ؛ فقد كفروا بموسى وبالتوراة ، وقالوا في محمد صلى اللّه عليه وسلم وموسى : ساحران تظاهرا ، أو في التوراة والقرآن : سحران تظاهرا ، أو : ذلك حين بعثوا الرهط إلى رؤساء اليهود

--> ( 1 ) قرأ عاصم وحمزة والكسائي : « سحران » ؛ بكسر السين وسكون الحاء ، بلا ألف ، وقرأ الباقون : « ساحران » ؛ بفتح السين وألف بعدها وكسر الحاء . . . انظر : الإتحاف ( 2 / 344 ) .