ابن عجيبة
259
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يسألونهم عن محمد ، فأخبروهم أنه في كتابهم ، فرجع الرهط إلى قريش ، فأخبروهم بقول اليهود ، فقالوا عند ذلك : « 1 » سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ . قُلْ لهم : فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما ؛ مما أنزل على موسى ، ومما أنزل علىّ ، أَتَّبِعْهُ : جواب : فأتوا ، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنهما ساحران ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ دعاءك إلى الإتيان بالكتاب الأهدى ، فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ الزائغة ، ولم تبق لهم حجة إلا اتباع الهوى ، وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ أي : لا أحد أضل ممن اتبع في الدين هواه بغير هدى ، أي : بغير اتباع شريعة من عند اللّه . و بِغَيْرِ هُدىً : حال ، أي : مخذولا ، مخلّا بينه وبين هواه ، إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ؛ الذين ظلموا أنفسهم بالانهماك في اتباع الهوى والتقليد . وباللّه التوفيق . الإشارة : لولا احتجاج الناس على اللّه يوم القيامة ، حين تصيبهم نقائص عيوبهم ، ما بعث اللّه في كل زمان نذيرا طبيبا ، فإذا ظهر وتوجه لتربية الناس ، قالوا : لولا أوتى مثل ما أوتى فلان وفلان من كرامات المتقدمين ، فيقال لهم : قد كان من قبلكم من الأولياء لهم كرامات ، فكذّبوهم ، وأنكروا عليهم ، ورموهم بالسحر والتبدع وغير ذلك ، وبقوا مع هوى أنفسهم . ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من اللّه ، أي : بغير تمسك بمن يهديه إلى حضرة اللّه ، إن اللّه لا يهدى القوم الظالمين إلى معرفته الخاصة . ثم ذكر حكمة تفريق القرآن ، ردا على من قال : لَوْ لا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى ؛ من إنزاله جملة ، فقال : [ سورة القصص ( 28 ) : آية 51 ] وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 51 ) قلت : يقال : وصلت الشيء : جعلته موصولا بعضه ببعض ، ويقال : وصلت إليه الكتاب : أبلغته . يقول الحق جل جلاله : وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ أي : لقريش ولغيرهم ، الْقَوْلَ ؛ القرآن ، أي : تابعناه موصولا بعضه ببعض في المواعظ والزواجر ، والدعاء إلى الإسلام . قاله ابن عطية . وقال ابن عرفة الّلغوي : أي : أنزلناه شيئا بعد شئ ، ليصل بعضه ببعض ، ليكونوا له أوعى . ه . وتنزيله كذلك ؛ ليكون أبلغ في التذكير ؛ ولذلك قال : لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ، يعنى : أن القرآن أتاهم متتابعا متواصلا ؛ وعدا ، ووعيدا ، وقصصا ، وعبرا ، ومواعظ ؛ ليتذكروا فيفلحوا . وقيل : معنى وصلنا : أبلغنا . وهو أقرب ؛ لتبادر الفهم ، وفي البخاري : أي : « بيّنا وأتممنا » « 2 » . وهو عن ابن عباس . وقال مجاهد : فصّلنا . وقال ابن زيد : وصلنا خير الدنيا بخير الآخرة ، حتى كأنهم عاينوا الآخرة في الدنيا .
--> ( 1 ) ذكره البغوي في تفسيره ( 6 / 212 ) . ( 2 ) ذكره البخاري في ( التفسير - سورة القصص ، 8 / 365 فتح ) .