ابن عجيبة

253

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الجاهل أنه في مكان مخصوص ، كما كان هو في مكان ، وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ أي : موسى مِنَ الْكاذِبِينَ في دعواه أن له إلها ، وأنه أرسله إلينا رسولا . وهذا تناقض من المخذول ، فإنه قال أولا : ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي ، ثم أظهر حاجته إلى هامان ، وأثبت لموسى إلها ، وأخبر أنه غير متيقن بكذبه ، وهذا كله تهافت . وكأنه تحصن من عصا موسى فلبّس وقال : لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى . روى أنه لما أمر وزيره هامان ببناء الصرح ، جمع هامان العمال ، خمسين ألف بنّاء ، سوى الأتباع والأجراء - فبنوا ، ورفعوه بحيث لم يبلغه بنيان قط ، منذ خلق اللّه السماوات والأرض . أراد اللّه أن يفتنهم فيه ، فصعده فرعون وقومه ، ورموا بنشّابة نحو السماء ، فرجعت ملطّخة بالدم ، فقال : قد قتلنا إله السماء ، فضرب جبريل الصرح بجناحه ، فقطعه ثلاث قطع ، وقعت قطعة على عسكر فرعون ، فقتلت ألف ألف رجل ، وقطعة على البحر ، وقطعة في الغرب ، ولم يبق أحد من عماله إلا هلك « 1 » . ه . وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ ؛ تعاظم فِي الْأَرْضِ ؛ أرض موسى بِغَيْرِ الْحَقِّ ؛ بغير استحقاق ، بل بالباطل ، فالاستكبار بالحق هو للّه تعالى ، وهو المتكبر المتعالي ، المبالغ في كبرياء الشأن ، كما في الحديث القدسي : « الكبرياء ردائي ، والعظمة إزاري ، فمن نازعني واحدا منهما قصمته » « 2 » ، أو : ألقيته في النار ، وكل مستكبر سواه فاستكباره بغير الحق . وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ بالبعث والنشور . وقرأ نافع وحمزة والكسائي : بالبناء للفاعل . والباقي : للمفعول . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : الأرواح كلها برزت من عالم العز والكبرياء ، وهو عالم الجبروت ، فلما هبطت إلى عالم الأشباح ، وكلفت بالعبودية ، وبالخضوع لقهرية الربوبية ، شق عليها ، ونفرت من التواضع والذل ، وبطشت إلى أصلها ؛ لأنها من عالم العز ، فبعث اللّه الرسل ومشايخ التربية يدلونها على ما فيه سعادتها ، من الذل والتواضع والخضوع للحق ، حتى تصل إلى الحق ، فمن سبق له الشقاء ؛ أنف ، وقال : ما هذا إلا سحر مفترى ، وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين ، واستكبر وطغى ، فغرق في بحر الردى . ومن سبقت له السعادة ؛ تواضع ، وذل لعظمة مولاه ، فوصله إلى العز الدائم ، في حضرة جماله وسناه . ولذلك قيل : للنفس خاصية ما ظهرت إلا على فرعون ، حيث قال : أنا ربكم الأعلى . وهذه الخاصية هي أصل نشأتها وبروزها ، حيث برزت من عالم الجبروت ؛ قال تعالى : ( ونفخت فيه من روحي ) ، ولكن لم يفتح لها الباب إلا من جهة العبودية والذل والافتقار ، كما قال الشاعر :

--> ( 1 ) ذكره البغوي في تفسيره ( 6 / 208 - 209 ) . وقال القرطبي ( 6 / 5149 ) : واللّه أعلم بصحة ذلك . ( 2 ) أخرجه أبو داود في ( اللباس ، باب ما جاء في الكبر ، 4 / 350 ، ح 4090 ) وابن ماجة في ( الزهد ، باب البراءة من الكبر ، 2 / 1397 ، ح 4174 ) من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه ، بلفظ : « ألقيته في النار » وأخرجه مسلم - من حديث أبي سعيد الخدري ، وأبي هريرة في ( البر والصلة ، باب تحريم الكبر ، 4 / 2023 ، ح 2620 ) بلفظ : « العز إزاره ، والكبرياء رداؤه - فمن ينازعني عذبته » .