ابن عجيبة

254

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

تذلّل لمن تهوى ؛ لتكسب عزّة * فكم عزّة قد نالها المرء بالذّلّ إذا كان من تهوى عزيزا ، ولم تكن * ذليلا له ، فاقر السّلام على الوصل ولا يرضى المحبوب من المحب إلا الأدب ، وهو التذلل والخضوع ، كما قال القائل : أدب العبد تذلّل * والعبد لا يدع الأدب فإذا تكامل ذلّه ؛ * نال المودّة ، واقترب . ثم ذكر وبال من تكبر على اللّه ، فقال : [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 40 إلى 42 ] فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ( 40 ) وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ ( 41 ) وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ ( 42 ) يقول الحق جل جلاله : فَأَخَذْناهُ ؛ فأخذنا فرعون وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ ؛ طرحناهم فِي الْيَمِّ ؛ في بحر القلزم ، كما بيّناه غير مرة . وفي الكلام فخامة تدل على عظمة شأن الأخذ ، شبههم ؛ استحقارا لحالهم ، واستقلالا لعددهم ، وإن كانوا الجم الغفير ؛ بحصيات أخذهن آخذ بكفه ، فطرحهن في البحر . فَانْظُرْ يا محمد كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ، وحذّر قومك أن يصيبهم مثل ما أصابهم ، فإنهم ظالمون ، حيث كفروا وأشركوا ، وتحقّق أنك منصور عليهم ، كما نصر موسى على فرعون . وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً ؛ قادة يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ، أي : إلى عمل أهل النار ؛ من الكفر ، والمعاصي ، قال ابن عطاء : نزع عن أسرارهم التوفيق ، وأنوار التحقيق ، فهم في ظلمات أنفسهم ، لا يدلون على سبيل الرشاد . وفيه دلالة على خلق أفعال العباد . ه . وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ بدفع العذاب عنهم ، كما يتناصرون اليوم ، في دفع الظلم عنهم ، وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ؛ ألزمناهم طردا وإبعادا عن الرحمة . وقيل : هو ما يلحقهم من لعن الناس إياهم بعدهم . وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ ؛ المطرودين المعذبين ، أو المهلكين المشوهين ؛ بسواد الوجوه وزرقة العيون . و يَوْمَ : ظرف للمقبوحين . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : عاقبة من تكبر في دار العبودية : الذل والهوان ، وعاقبة من تواضع ، وذل فيها : العز والأمان ، وعاقبة من كان إماما في المساوئ والعيوب : البعد والحجاب ، ومن كان إماما في محاسن الخلال وكشف الغيوب :