ابن عجيبة
250
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وقوله تعالى : مِنَ الشَّجَرَةِ ؛ أي : نودي منها حقيقة ؛ إذ ليس في الوجود إلا تجليات الحق ومظاهره ، فيكلم عباده من حيث شاء منها . قال في العوارف : الصوفي ؛ لتجرده ، يشهد التالي كشجرة موسى ، حيث أسمعه اللّه خطابه منها ، بأني أنا اللّه لا إله إلا أنا . ه . فأهل التوحيد الخاص لا يسمعون إلا من اللّه ، بلا واسطة ، قد سقطت الوسائط في حقهم ، حين غرقوا في بحر شهود الذات ، فافهم . وقال في القوت : كانت الشجرة وجهة موسى عليه السّلام ، كلمه اللّه عز وجل منها ، كما قال بعضهم : إن قوله تعالى : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ « 1 » ، أي : بالجبل ، كان الجبل من جهة الحس حجابا لموسى ، كشفه اللّه عنه ، فتجلى به ، كما قال : مِنَ الشَّجَرَةِ ؛ فكانت الشجرة وجهة له عليه السّلام ه ، بإيضاح . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر اعتذار موسى ، وطلبه الإعانة بأخيه ، فقال : [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 33 إلى 35 ] قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ( 33 ) وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ( 34 ) قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ ( 35 ) يقول الحق جل جلاله : قالَ موسى - لما كلف بالرسالة إلى فرعون : رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ بها ، وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً ؛ أي : عونا . يقال : ردأته : أعنته . وقرأ نافع : بالتخفيف ، يُصَدِّقُنِي : جواب الأمر ، ومن رفعه ؛ جعله صفة لردء ، أي : ردءا مصدقا لي . ومعنى تصديقه : إعانته بزيادة البيان ، في مظان الجدال ، إن احتاج إليه ؛ ليثبت دعواه ، لا أن يقول له : صدقت ، ففضل اللسان إنما يحتاج إليه لتقرير البرهان ، وأما قوله : صدقت ؛ فسحبان وبأقل فيه مستويان . إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ في دعوى الرسالة . قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ أي : سنقويك به ؛ إذ اليد تشد بشدة العضد ؛ لأنه قوام اليد ، فشد العضد كناية عن التقوية ؛ لأن العضد ، إذا اشتد ، قوي على محاولة الأمور ، أي : سنعينك بأخيك ، وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً ؛ غلبة وتسلطا وهيبة في قلوب الأعداء ، فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما ، بِآياتِنا ؛ بسبب آياتنا ، القاهرة لهم عن التسلط
--> ( 1 ) من الآية 107 من سورة الأعراف ، ومن الآية 32 من سورة الشعراء .