ابن عجيبة

251

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

عليكم ، فالباء تتعلق بيصلون ، أو : بنجعل لكما سلطانا ، أي : تسلطا بآياتنا ، أو : بمحذوف ، أي : اذهبا بآياتنا ، أو : هو بيان لغالبون ، أي : أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ ، أي : المنصورون . الإشارة : إذا اجتمع في زمان نبيان ، أو : وليان ، لا تجدهما إلا متخالفين في القوة والليونة ، أو في السكر والصحو ، فكان موسى في غاية القوة ، وأخوه في غاية الليونة ، وكان موسى عليه السّلام في أول الرسالة غالبا عليه الجذب ، وأخوه غالبا عليه الصحو ، فلذلك استعان به . قال الورتجبي : افهم أن مقام الفصاحة هو مقام الصحو والتمكين ، الذي يقدر صاحبه أن يخبر عن الحق [ وأسراره ، بعبارة لا تكون بشيعة ] « 1 » في موازين العلم . وهذا حال نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، حيث قال : « أن أفصح العرب » « 2 » ، و « بعثت بجوامع الكلم » « 3 » . وهذه قدرة قادرية اتصف بها العارف المتمكن ، الذي بلغ مشاهدة الخاص ، ومخاطبة الخاص ، وكان موسى عليه السّلام في محل السكر في ذلك الوقت ، ولم يطق أن يعبر عن حاله كما كان ؛ لأن كلامه ، لو خرج على وزان حاله ، يكون على نعوت الشطح ، عظيما في آذان الخلق ، وكلام السكران ربما يفتتن به الخلق ، لذلك سأل مقام الصحو والتمكين بقوله : وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي ؛ لأن كلامه من بحر المكافحة والمواجهة الخاصة ، التي كان مخصوصا بها عن أخيه . ه . ثم ذكر عناد فرعون وتجبره ، قال : [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 36 إلى 39 ] فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ ( 36 ) وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 37 ) وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ ( 38 ) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ ( 39 ) يقول الحق جل جلاله : فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا ؛ معجزاتنا التسع بَيِّناتٍ ؛ واضحات قالُوا ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً ؛ سحر تعمله أنت ، ثم تفتريه على اللّه ، أو : سحر موصوف بالافتراء ، كسائر أنواع

--> ( 1 ) عبارة الورتجبي [ وأسراره بعباده لا يكون شفيعة ] . ( 2 ) قال في اللآلئ : معناه صحيح ، ولكن لا أصل له . انظر : كشف الخفاء ( 1 / 232 ، ح 609 ) . ( 3 ) بعض حديث أخرجه البخاري في ( الجهاد ، باب قول النبي / صلى اللّه عليه وسلم : نصرت بالرعب مسيرة شهر ، ح 2977 ) .