ابن عجيبة
205
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : وَ لقد أرسلنا لُوطاً ، أو : واذكر لوطا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أي : وقت قوله لهم : أَ تَأْتُونَ الْفاحِشَةَ أي : الفعلة المتناهية في الفحش والسماجة ، وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ أي : والحالة أنكم تعلمون علما يقينيا أنها فاحشة ، لم تسبقوا إليها . والجملة الحالية تفيد تأكيد الإنكار ، فإنّ تعاطى القبيح من العالم بقبحه أقبح وأشنع ، ولذلك ورد في الخبر : « أشدّ الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه اللّه بعلمه » « 1 » . وقال الفخر : لا تصدر المعصية من العالم قط وهو عالم ، وحين صدورها منه هو جاهل ؛ لأنه رجح المرجوح ، وترجيح المرجوح جهل ، ولذلك قال : بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ . ه . وفي الحديث : « لا يزنى الزاني حين يزنى وهو مؤمن » « 2 » . إذ لو صدّق باطلاع الحق عليه ما قدر على الزنى ، لكنه جهل ذلك . و تُبْصِرُونَ ، من : بصر القلب . وقيل : يبصر بعضكم بعضا ؛ لأنهم كانوا يرتكبونها في ناديهم ، معلنين بها ، لا يستتر بعضهم من بعض ، مجانة وانهماكا في المعصية ، أو : تبصرون آثار العصاة قبلكم ، وما نزل بهم . أَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً أي : للشهوة مِنْ دُونِ النِّساءِ أي : إن اللّه تعالى إنما خلق الأنثى للذكر ، ولم يخلق الذكر للذكر ، ولا الأنثى للأنثى ، فهي مضادة للّه تعالى في حكمته ، فلذلك كانت أشنع المعاصي ، بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ؛ تفعلون فعل الجاهلين بقبحها ، أو : تجهلون العاقبة . أو : بمعنى السفاهة والمجون ، أي : بل أنتم سفهاء ماجنون . والتاء فيه - مع كونه صفة لقوم ؛ لكونهم في حيز الخطاب . وكذا قوله : بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ « 3 » ، غلّب الخطاب على الغيبة . قال ابن عرفة : « بل » : للانتقال ، والانتقال في باب الذم إنما يكون عن أمر خفيف إلى ما هو أشد منه ، وتقرير الأشدّية هنا : أن المضروب عنه راجع للقوة الحسية العملية ، وهي منقطعة تنقضى بانقضاء ذلك الفعل ، والثاني راجع للقوة العلمية ، وهي دائمة ؛ لأن العلم بالشيء دائم ، والعمل به منقطع غير دائم . ه . فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ حين نهاهم عن تلك الفاحشة ودعاهم إلى اللّه ، إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ أي : لوطا ومتبعيه مِنْ قَرْيَتِكُمْ ، إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ ؛ يتنزهون عن أفعالنا ، أو : عن القاذورات ، ويعدون فعلنا قذرا . وعن ابن عباس : إنه استهزاء ، كقوله : إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ « 4 » .
--> ( 1 ) رواه الطبراني في المعجم الصغير ( 1 / 182 - 183 ) والبيهقي في الشعب ( ح 7778 ) ، من حديث أبي هريرة - رضي اللّه عنه . والحديث ضعّفه السيوطي في الجامع الصغير ( ح 1053 ) . ( 2 ) جزء من حديث أخرجه البخاري في ( المظالم ، باب النّهبى بغير إذن صاحبها ، ح 2475 ) ومسلم في ( الإيمان ، باب بيان نقصان الإيمان بالمعاصي 1 / 76 ح 100 ) من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه . ( 3 ) من الآية 47 من سورة النمل . ( 4 ) الآية 87 من سورة هود .