ابن عجيبة

206

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

فَأَنْجَيْناهُ : فخلّصناه من العذاب الواقع بالقوم ، وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها بالتشديد والتخفيف ، أي : قدرنا أنها مِنَ الْغابِرِينَ ؛ الباقين في العذاب . وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً غير معهود ؛ حجارة مكتوب عليها اسم صاحبها ، فَساءَ : قبح مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ الذين لم يقبلوا الإنذار . وقد مرّ كيفية ما جرى بهم غير مرة . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : ما أنكر لوط على قومه إلا غلبة الشهوة على قلوبهم ، والانهماك في غفلتهم ، فرجعت إلى معصية القلوب ، وهي أشد من معصية الجوارح ؛ لأن معصية الجوارح إذا صحبتها التوبة والانكسار ، عادت طاعة ، بخلاف معصية القلوب ؛ فإنها تنطمس بها أنوار الغيوب ، فلا يزيد صاحبها إلا البعد والطرد ، والعياذ باللّه . ثم أمر رسوله محمدا صلى اللّه عليه وسلم بالتحميد ، ثم بالسلام على عباده المرسلين ؛ توطئة لما يتلوه من الدلالة على وحدانيته تعالى ، وقدرته على كل شئ ، وهو تعليم لكل متكلم في كل أمر ذي بال ، بأن يبتدئ في خطبته بحمد اللّه ، والثناء على رسله ، فقال : [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 59 إلى 60 ] قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ( 59 ) أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ( 60 ) يقول الحق جل جلاله لنبيه - عليه الصلاة والسلام - : قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على ما أنعم به عليك من فنون النعم ، ومن جملتها : اطلاعك على أسرار علم غيوبه ، وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى لرسالته . وقال ابن عباس وسفيان : هم أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم ، اصطفاهم بصحبته - عليه الصلاة والسلام - وقال الكلبي : هم أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، اصطفاهم اللّه لمعرفته وطاعته . ثم قل لهم إلزاما للحجة : آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ « 1 » أي : آللّه الذي ذكرت شؤونه العظيمة خير ، أم ما تشركونه معه تعالى من الأصنام ؟ ومرجع الترديد إلى التعرض بتبكيت الكفرة ، وتسفيه آرائهم الركيكة ، والتهكم بهم ؛ إذ من البيّن أن ليس فيما أشركوه به تعالى شائبة خير ، حتى يمكن أن يوازن بينه وبين من لا خير إلا خيره ، ولا إله غيره . وكان عليه الصلاة والسلام إذا قرأها قال : « بل اللّه خير ، وأبقى ، وأجلّ ، وأكرم » « 2 » .

--> ( 1 ) قرأ عاصم ، وأبو عمرو ، ويعقوب : « يشركون » بالياء . وقرأ الباقون : « تشركون » بالخطاب . . . انظر الإتحاف ( 2 / 332 ) . ( 2 ) قال الحافظ ابن حجر : كذا ذكره الثعلبي بغير إسناد . انظر الكافي الشاف على هامش الكشاف ( 3 / 375 ) .