ابن عجيبة

204

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وقال القشيري على قوله : وَمَكَرُوا مَكْراً . . . الآية : مكر اللّه : جزاؤهم على مكرهم ، بإخفاء ما أراد منهم من العقوبة ، ثم إحلالها بهم بغتة . ه . وقال الورتجبي : حقيقة المكر : امتناع سر الأزلية عن مطالعة الخليفة ، فإذا كان كذلك من ينجو من مكره ، والحدث لا يطلع على سوابق علمه في القدم ، فمكره وقهره صفتان من صفاته ، لا تفارقان ذاته ، وذاته أبدية ، انظر تمامه . قلت : ومعنى كلامه : أن مكر اللّه في الجملة : هو إخفاء السر الأزلي - وهو القضاء والقدر - عن مطالعة الخلق ، فلا يدرى أحد ما سبق له في العلم القديم ، وإذا كان كذلك فلا ينجوا أحد من مكره ؛ إذ الحدث لا يطلع على سوابق العلم القديم ، إلا من اطلع عليه بوحي ، كالأنبياء ، أو بنص صريح منهم ، كالمبشرين بالجنة ، ومع ذلك : العارف لا يقف مع وعد ولا وعيد ؛ إذ قد يتوقف على شرط وأسباب خفية ، ولذلك قيل : العارف لا يسكن إلى اللّه . قاله في لطائف المنن ، أىّ : لا يسكن إلى وعد اللّه ولا وعيده ، فلا يزول اضطراره ، ولا يكون مع غير اللّه قراره . وقال القشيري - على قوله : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً . . ، في الخبر : « لو كان الظلم بيتا في الجنة لسلط اللّه عليه الخراب » . ه . قلت : فكل من اشتغل بظلم العباد ، فعن قريب ترى دياره بلاقع « 1 » ، كما هو مجرب . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر قصة لوط - عليه السّلام - فقال : [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 54 إلى 58 ] وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَ تَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ( 54 ) أَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ( 55 ) فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ ( 56 ) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ ( 57 ) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ ( 58 ) قلت : ( ولوطا ) : عطف على ( صالحا ) داخل معه في القسم ، أي : ولقد أرسلنا صالحا ولوطا . و ( إذ قال ) : ظرف للإرسال ، أو : منصوب باذكر ، و ( إذ قال ) : بدل من ( لوط ) .

--> ( 1 ) البلقع : الأرض القفر ، التي لا شئ فيها ، والخالي من البرية . انظر اللسان ( 1 / 348 ، مادة : بلقع ) .