ابن عجيبة

19

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وإنما عدل عن الخطاب إلى الغيبة ، وعن الضمير إلى الظاهر ، ولم يقل : ظننتم بأنفسكم خيرا ، وقلتم ؛ ليبالغ في التوبيخ بطريق الالتفات ، وليدل التصريح بلفظ الإيمان على أن المؤمن لا يسئ الظن بأحد من المؤمنين . وَقالُوا عند سماع هذه الفرية : هذا إِفْكٌ مُبِينٌ ؛ كذب ظاهر لا يليق بمنصب الصدّيقة بنت الصدّيق . لَوْ لا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ ؛ هلّا جاء الخائضون بأربعة شهداء على ما قالوا فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ ، ولم يقل : « بهم » ؛ لزيادة التقرير ، فَأُولئِكَ الخائضون عِنْدَ اللَّهِ أي : في حكمه وشرعه هُمُ الْكاذِبُونَ ؛ الكاملون في الكذب ، المستحقون لإطلاق هذا الاسم عليهم دون غيرهم . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : حسن الظن بعباد اللّه من أفضل الخصال عند اللّه ، ولا سيما ما فيه حرمة من حرم اللّه . قال القشيري على الآية : عاتبهم على المبادرة إلى الاعتراض وترك الإعراض عن حرمة بيت نبيهم . ثم قال : وسبيل المؤمن ألا يستصغر في الوفاق طاعة ، ولا في الخلاف زلّة ، فإنّ تعظيم الأمر بتعظيم الآمر ، وإن اللّه لينتقم لأوليائه ما لا ينتقم لنفسه ، ولا سيما ما تعلق به حق الرسول - عليه الصلاة والسلام - فذلك أعظم عند اللّه ، ولذلك بالغ في التوبيخ على ما أقدموا عليه ، مما تأذى به الرسول ، وقلوب آل الصدّيق ، وقلوب المخلصين من المؤمنين . ه ثم قال تعالى : [ سورة النور ( 24 ) : الآيات 14 إلى 18 ] وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 14 ) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ( 15 ) وَلَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ ( 16 ) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 17 ) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 18 ) قلت : ( لولا ) هنا : امتناعية بخلاف المتقدمة ؛ فإنها تحضيضية ، و ( إذ سمعتموه ) : معمول لقلتم ، و ( إذ تلقونه ) : ظرف لمسّكم . يقول الحق جل جلاله : وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أيها السامعون وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا ؛ من فنون النعم ، التي من جملتها : الإمهال والتوبة ، وَ في الْآخِرَةِ ؛ من ضروب الآلاء ، التي من جملتها : العفو