ابن عجيبة
20
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
والمغفرة ، لَمَسَّكُمْ عاجلا فِيما أَفَضْتُمْ أي : بسبب ما خضتم فِيهِ من حديث الإفك عَذابٌ عَظِيمٌ يستحقر دونه التوبيخ والجلد ، يقال أفاض في الحديث ، وفاض ، واندفع : إذا خاض فيه . إِذْ تَلَقَّوْنَهُ أي : لمسكم العذاب العظيم وقت تلقيه إياكم من المخترعين له ، يقال : تلقى القول ، وتلقنه ، وتلقفه ، بمعنى واحد ، غير أن التلقف : فيه معنى الخطف والأخذ بسرعة ، أي : إذ تأخذونه بِأَلْسِنَتِكُمْ ؛ بأن يقول بعضكم لبعض : هل بلغك حديث عائشة ، حتى شاع فيما بينكم وانتشر ، فلم يبق بيت ولا ناد إلا طار فيه . وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ أي : قولا لا حقيقة له ، وقيّده بالأفواه ، مع أن الكلام لا يكون إلا بالفم ؛ لأن الشيء المعلوم يكون في القلب ، ثم يترجم عنه اللسان ، وهذا الإفك ليس إلا قولا يدور في الأفواه ، من غير ترجمة عن علم به في القلب . وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً أي : وتظنون أن خوضكم في عائشة سهل لا تبعة فيه ، وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ أي : والحال أنه عند اللّه كبير ، لا يقادر قدره في استجلاب العذاب . جزع بعض الصالحين عند الموت ، فقيل له في ذلك ، فقال : أخاف ذنبا لم يكن منى على بال ، وهو عند اللّه عظيم . وَلَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ من المخترعين والشائعين له قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا ؛ ما يمكننا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا ، وما ينبغي أن يصدر عنا ، وتوسيط الظروف بين « لولا » و « قلتم » إشارة إلى أنه كان الواجب أن يبادروا بإنكار هذا الكلام في أول وقت سمعوه ، فلما تأخر الإنكار وبّخهم عليه ، فكان ذكر الوقت أهمّ ، فقدّم ، والمعنى : هلّا قلتم إذ سمعتم الإفك : ما يصح لنا أن نتكلم بهذا ، سُبْحانَكَ ؛ تنزيها لك ، وهو تعجب من عظم ما فاهوا به . ومعنى التعجب في كلمة التسبيح : أن الأصل أن يسبح اللّه عند رؤية العجيب من صنائعه تعالى ، ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه . أو : تنزيها لك أن يكون في حرم نبيك فاجرة ، هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ ؛ لعظمة المبهوت عليه ، واستحالة صدقه ، فإنّ حقارة الذنوب وعظمتها باعتبار متعلقاتها . وقال فيما تقدم : هذا إِفْكٌ مُبِينٌ « 1 » . ويجوز أن يكونوا أمروا بهما معا ، مبالغة في التبري . يَعِظُكُمُ اللَّهُ أي : ينصحكم أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أي : كراهة أن تعودوا ، أو يزجركم أن تعودوا لمثل هذا الحديث أو القذف أو الاستماع ، أَبَداً ؛ مدة حياتكم ، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ؛ فإن الإيمان وازع عنه لا محالة . وفيه تهييج وتقريع وتذكير بما يوجب ترك العود ، وهو الإيمان الصادّ عن كل قبيح .
--> ( 1 ) الآية 12 من سورة النور .