ابن عجيبة
180
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
بالنور الأعظم ، والبحر الطام ، بعد قطع مقامات التوبة ، والتقوى ، والاستقامة ، والإخلاص ، والصدق ، والطمأنينة ، والمراقبة والمحبة ، والمشاهدة ، فيكون حينئذ آية مبصرة واضحة ، من آيات اللّه ، يدلّ على اللّه ، ويدعوا إليه على بصيرة منه . فمن جحدها انخرط في سلك من قال تعالى في حقه : وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا . . . الآية . ثم ذكر قصة داود وسليمان - عليهما السلام - فقال : [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 15 إلى 16 ] وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ( 15 ) وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ( 16 ) يقول الحق جل جلاله : وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً أي : أعطينا كل واحد منهما طائفة خاصة به من علم الشرائع والأحكام ، وغير ذلك مما يختص به كل واحد منهما ، كصنعة الدروع ، ومنطق الطير . أو : علما لدنيا . وَقالا أي : كل واحد منهما ، شكرا لما أوتيه من العلم : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا بما آتانا من العلم عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ . قال النسفي : وهنا محذوف ، ليصلح عطف الواو عليه ، ولولا تقدير المحذوف لكان الوجه : الفاء ، كقولك : أعطيته فشكر ، وتقديره : آتيناهما علما ، فعملا به ، وعرفنا حق النعمة فيه ، وقالا : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ . والكثير المفضّل عليه : من لم يؤت علما ، أو : من لم يؤت مثل علمهما . وفيه : أنهما فضلا على كثير ، وفضل عليهما كثير . وفي الآية دليل على شرف العلم ، وتقدم حملته وأهله ، وأن نعمة العلم من أجلّ النعم ، وأن من أوتيه فقد أوتى فضلا على كثير من عباده ، وما سماهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ورثة الأنبياء إلا لمداناتهم في الشرف والمنزلة ؛ لأنهم القوّام بما بعثوا من أجله . وفيها : أنه يلزمهم لهذه النعمة الفاضلة أن يحمدوا اللّه تعالى على ما أوتوه ، وأن يعتقد العالم أنه إذا فضّل على كثير فقد فضّل عليه مثلهم . وما أحسن قول عمر رضي اللّه عنه : ( كلّ الناس أفقه من عمر ) . ه . والعلماء على قسمين : علماء باللّه وعلماء بأحكام اللّه . فالعلماء باللّه هم العارفون به ، أهل الشهود والعيان . وهم أهل علم الباطن ، أعنى : علم القلوب ، والعلماء بأحكام اللّه هم علماء الشرائع والنوازل . وحيث انتهت درجة العلماء بأحكام اللّه ابتدئت درجة العلماء باللّه . فنهاية علماء الظاهر بداية علماء الباطن ؛ لأن علم أهل الظاهر جله ظني ،