ابن عجيبة
170
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ أي : الشعراء فِي كُلِّ وادٍ من الكلام يَهِيمُونَ ، أو : في كل فن من الإفك يتحدثون ، أو : في كل لغو وباطل يخوضون . والهائم : الذاهب على وجهه لا مقصد له ، وهو تمثيل لذهابهم في كل شعب من القول ، وهو استشهاد على أن الشعراء إنما يتبعهم الغاوون وتقرير له ، والخطاب لكل من تتأتى منه الرؤية ، للقصد إلى أن حالهم من الجلاء والظهور بحيث لا تختص به رؤية راء دون الآخر ، أي : ألم تر أن الشعراء في كل واد من أودية القيل والقال ، وفي كل شعب من الوهم والخيال ؛ وفي كل مسلك من مسالك الغى والضلال ، يهيمون . وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ من الأفاعيل ، غير مبالين بما يستتبعه من اللوم ، فكيف يتوهم أن ينتظم في سلكهم من تنزهت ساحته عن أن تحوم حوله شائبة الاتصاف بشئ من الأمور المذكورة ، واتصف بمحاسن الصفات الجليلة ، والأخلاق الحميدة ، مستقرا على المنهاج القويم ، مستمرا على الصراط المستقيم ، ناطقا بكل أمر رشيد ، داعيا إلى صراط العزيز الحميد ، مؤيدا بمعجزة قاهرة ، وآيات ظاهرة ، مشحونة بفنون من الحكم الباهرة ، وصنوف المعارف الزاخرة ، مستقل بنظم رائق ، أعجز كل منطيق ماهر ، وبكت كل مفلق ساحر . هذا وقد قيل في تنزيهه صلى اللّه عليه وسلم عن أن يكون من الشعراء : أن أتباع الشعراء الغاوون ، وأتباع محمد صلى اللّه عليه وسلم ليسوا كذلك ، ولا ريب في أن تعليل عدم كونه صلى اللّه عليه وسلم منهم بكون أتباعه صلى اللّه عليه وسلم غير غاوين مما لا يليق بشأنه العلى . ه . قاله أبو السعود . ثم استثنى الشعراء المؤمنين ، فقال : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ؛ كعبد اللّه بن رواحة ، وحسّان ، وكعب بن زهير ، وكعب بن مالك . وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً أي : كان ذكر اللّه وتلاوة القرآن أغلب عليهم من الشعر ، وإذا قالوا الشعر قالوا في توحيد اللّه والثناء عليه ، والحكمة والموعظة ، والزهد والأدب ، ومدح الرسول صلى اللّه عليه وسلم والأولياء . وأحق الخلق بالهجاء من كذّب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهجاه . وعن كعب بن مالك : أن رسول صلى اللّه عليه وسلم قال : « اهجهم ، فوالذي نفسي بيده لهو أشدّ عليهم من رشق النّبل » « 1 » ، وكان يقول لحسّان : « قل ، وروح القدس معك » « 2 » .
--> ( 1 ) أخرجه الإمام أحمد في المسند ( 3 / 456 ، 460 ) ، والبيهقي في السنن ( 10 / 239 ) ، وعبد الرزاق في المصنف ( كتاب الجامع ، باب الشعر والرجز 11 / 263 ) ، وصححه ابن حبّان ( موارد الظمآن / 494 ) ولفظه : أنه قال للنبي صلى اللّه عليه وسلم : إن اللّه قد أنزل في الشعر ما أنزل ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه ، والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النبل » ، وأخرج مسلم في ( فضائل الصحابة ، باب فضل حسان بن ثابت ، 4 / 1935 ، ح 2490 ) ، من حديث السيدة عائشة : « اهجوا قريشا ؛ فإنه أشد عليهم من رشق النبال » . ( 2 ) أخرجه البخاري في ( المغازي ، مرجع النبي محمد من الأحزاب ، ح 123 4 ، 4124 ) . ومسلم في ( فضائل الصحابة ، باب فضائل حسان ابن ثابت رضي اللّه عنه ، 4 / 1933 ، ح 2486 ) . من حديث البراء بن عازب . ولفظه : « اهجهم ، أو هاجهم ، وجبريل معك » .