ابن عجيبة

171

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا أي : ردوا على المشركين ، الذين هجوا النبي صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين . وروى أنه لما نزلت الآية : جاء حسان ، وكعب بن مالك ، وعبد اللّه بن رواحة ، يبكون ، فقالوا : يا رسول اللّه : أنزل اللّه تعالى هذه الآية ، وهو يعلم أنا شعراء ؟ فقال : « اقرءوا ما بعدها : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا . . هم أنتم وانتصروا ، هم أنتم » » . ومرّ عمر رضي اللّه عنه وحسان رضي اللّه عنه ينشد الشعر في المسجد ، فلحظ إليه ، فقال : كنت أنشد فيه ، وفيه من هو خير منك ، ثم التفت إلى أبي هريرة ، فقال : أنشدك بالله ، أسمعت النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول : « أجب عنى ، اللهم أيّده بروح القدس » قال : اللهم نعم « 1 » . وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ؛ أىّ مرجع يرجعون إليه ، وهو تهديد شديد ، ووعيد أكيد ؛ لما في سَيَعْلَمُ من تهويل متعلّقه ، وفي الَّذِينَ ظَلَمُوا من الإطلاق والتعميم . وفي أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ من الإيهام والتهويل . وتلاها أبو بكر لعمر رضي اللّه عنه حين عهد إليه ، وكان السلف يتواعظون بها . والمعنى : سيعلم أهل الظلم ما تكون عاقبتهم ، حين يقدمون علىّ ، وأىّ منقلب ينقلبون ، حين يفدون إلىّ . اللهم ثبت أقدامنا على المنهاج القويم ، حتى نلقاك يا أرحم الراحمين . الإشارة : هل أنبئكم على قلب من تنزّلت الشياطين ، وسكنت فيه ، تنزل على قلب كل أفاك أثيم ، خارب من النور ، محشو بالوسواس والخواطر ، يلقون السمع إلى هرج الدنيا وأخبارها ، وهو سبب فتنتها ؛ فإن القلب إذا غاب عن أخبار الدنيا وأهلها ، سكن فيه النور وتأنّس بالله ، وإذا سكن إلى أخبار الدنيا وأهلها سكنت فيه الظلمة ، وتأنس بالخلق ، وغاب عن الحق . ولذلك قيل : ينبغي للمؤمن أن يكون كالفكرون ؛ إذا كان وحده انبسط ، وإذا رأى أحدا أدخل رأسه معه . وأكثر ما يسمع من هرج الدنيا كذب ، وإليه الإشارة بقوله : وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ ، ومن جملة ما يفسد القلب : تولهه بالشعر ، وفي الحديث : « لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا » « 2 » . أو كما قال صلى اللّه عليه وسلم ، إلا من كان شعره في توحيد اللّه ، أو في الطريق ، كالزهد في الدنيا ، والترهيب من الركون إليها ، والزجر عن الاغترار بزخارفها الغرارة ، والافتنان بملاذها الفانية ، وغير ذلك ، أو في مدح النبي صلى اللّه عليه وسلم ، والمشايخ الموصلين إليه تعالى ، بشرط أن يكون الغالب عليه ذكر اللّه .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في ( الصلاة ، باب الشعر في المسجد ح 453 ) ومسلم في ( فضائل الصحابة ، باب فضائل حسان 4 / 1932 - 1933 ح 2485 ) من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه . ( 2 ) أخرجه البخاري في ( الأدب ، باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر حتى يصدّه عن ذكر اللّه ، والعلم ، والقرآن ح 6155 ) ، ومسلم في ( كتاب الشعر ، 4 / 1769 ، ح 2257 ) ، من حديث أبي هريرة .