ابن عجيبة

160

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

السحابة صيح بهم فهلكوا . إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ أي : في الشدة والهول ، وفظاعة ما وقع فيه من الطامة والداهية التامة . إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ قيل : آمن بشعيب من القسمين - مدين والأيكة - تسعمائة إنسان ، أو : وما أكثر قريش بمؤمنين بهذا ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ . هذا آخر القصص السبع التي أوحيت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؛ لصرفه - عليه الصلاة والسلام - عن الحرص على إسلام قومه ودفع تحسر فواته ، تحقيقا لمضمون ما مر في مطلع السورة الكريمة من قوله : لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ . . « 1 » ، إلخ ، وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ فَقَدْ كَذَّبُوا . . . « 2 » الآية ، فإن كل واحدة من هذه القصص ذكر متجدد النزول ، قد أتاهم من جهته تعالى ، بموجب رحمته الواسعة . وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ بعد ما سمعوها على التفصيل ، قصّة بعد قصة ، ليتدبروا فيها ، ويعتبروا بما في كل واحدة من الدواعي إلى الإيمان ، والزجر عن الكفر والطغيان ، وبأن يتأملوا في شأن الآيات الكريمة ، الناطقة بتلك القصص ، على ما هي عليه ، مع علمهم بأنه - عليه الصلاة والسلام - لم يسمع شيئا من ذلك من أحد أصلا ، فلم يفعلوا شيئا من ذلك ، واستمروا على ما كانوا عليه من الكفر والضلال . وباللّه التوفيق . الإشارة : كما أمر اللّه تعالى بوفاء المكيال ، أمر بالوفاء في الأعمال ، ووفاؤها : إتقانها وإخلاصها ، وتخليصها من شوائب النقص ، في الظاهر والباطن . وكما أمر بالعدل في الميزان الحسى بقوله : وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ، أمر بالعدل في الميزان المعنوي ، وهو وزن الخواطر بالقسطاس الشرعي ، فكل خاطر يخطر بالقلب يريد أن يفعله أو يتكلم به ، لا يخرجه حتى يزنه بميزان الشرع ، فإن كان فيه نفع أخرجه كما كان ، أو غيّره ، وإن كان فيه ضرر بادر إلى محوه من قلبه ، قبل أن يصيرهما أو عزما . فيعسر رده . وبالله التوفيق . ثم ذكر شواهد حقيّة القرآن ، فقال : [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 192 إلى 203 ] وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 192 ) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ( 193 ) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ( 194 ) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ( 195 ) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ ( 196 ) أَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ ( 197 ) وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ ( 198 ) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ( 199 ) كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ( 200 ) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ ( 201 ) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 202 ) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ ( 203 )

--> ( 1 ) الآية 3 من هذه السورة . ( 2 ) الآيتان 5 - 6 .