ابن عجيبة
159
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَ لا تَتَّقُونَ اللّه ، فتوحدوه ولا تطففوا ، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أي : التبليغ ؛ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ ، أَوْفُوا الْكَيْلَ أي : أتموه وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ أي : حقوق الناس بالتطفيف ، وَزِنُوا أشياءكم التي تبيعونها بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ السوي . والقسطاس - بضم القاف وكسرها : الميزان ، فإن كان من القسط - وهو العدل ، وجعلت العين مكررة - فوزنه : فعلاس ، وإلا فهو رباعي ، ووزنه : فعلال . وقيل : عجمي . وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ أي : لا تنقصوا شيئا من حقوقهم ، أىّ حق كان ، يقال : بخسه حقه : إذا انتقصه . وقيل : نهاهم عن نقص الدراهم والدنانير بقطع أطرافها . فالكيل على ثلاثة أقسام : واف ، وزائد وناقص . فأمر الحق تعالى بالوافي ، ونهى عن الناقص ، وسكت عن الزائد ، فتركه دليل على أنه إن فعله كان أحسن ، وإن تركه فلا عليه . وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ؛ ولا تبالغوا فيها بالإفساد ، وذلك نحو قطع الطريق ، والغارة ، وإهلاك الزروع . وكانوا يفعلون ذلك فنهوا عنه ، يقال : عثى كفرح ، وعثا يعثو ، كنصر . وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ ، وَ خلق الْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ أي : الخلق الماضين ، وهم من تقدمهم من الأمم ، قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ، وَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا ، أدخل الواو بين الجملتين هنا ؛ لدلالة على أن كلا من التسحير والبشرية مناف للرسالة ؛ مبالغة في التكذيب ، فتكذيبهم أقبح من ثمود ، حيث تركه فدل على معنى واحد ، وهو كونه مسحورا ، وقرره بكونه بشرا . ثم قالوا : وَإِنْ نَظُنُّكَ « إن » : مخففة ، أي : وإنه ، أي : الأمر والشأن لنظنك لَمِنَ الْكاذِبِينَ فيما تدعيه من النبوة . ثم استعجلوا العذاب بقولهم : فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ أي : قطعا ، جمع كسفة ، وقرئ بالسكون . أي جزأ منه ، والمراد بالسماء : إما السحاب ، أو : السماء المظلة ، إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ في دعواك الرسالة ، ولم يكن طلبهم ذلك إلا لتصميمهم على الجحود والتكذيب ، وإلا لما أخطروه ببالهم فضلا عن أن يطلبوه . قالَ شعيب عليه السّلام : رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ من الكفر والمعاصي ، وبما تستحقونه من العذاب ، فينزله عليكم في وقته المقدر له لا محالة ، فَكَذَّبُوهُ أي : فتمادوا على تكذيبه ، وأصروا عليه فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ حسبما اقترحوه . وذلك بأن سلط عليهم الحر سبعة أيام بلياليها ، فأخذ بأنفاسهم ، فلم ينفعهم ظل ولا ماء ولا شرب ، فاضطروا إلى أن خرجوا إلى البرية ، فأظلتهم سحابة ، وجدوا بها بردا ونسيما ، فاجتمعوا تحتها ، فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا جميعا « 1 » . وقيل : رفع لهم جبل ، فاجتمعوا تحته ، فوقع عليهم ، وهو الظلة . وقيل : لما ساروا إلى
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في تفسيره ( 19 / 110 ) عن ابن عباس رضي اللّه عنه . وانظر تفسير ابن كثير ( 3 / 346 - 347 ) .