ابن عجيبة

141

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

حبيب لي . وأجاز الزّجّاج أن يكون متصلا ، على أن الضمير لكل معبود ، وكان من آبائهم من عبد اللّه تعالى ، وهم أيضا كانوا يعبدون اللّه مع أصنامهم . ثم وصف الربّ تعالى بقوله : الَّذِي خَلَقَنِي بالتكوين في القرار المكين ، فَهُوَ يَهْدِينِ وحده إلى كل ما يهمني ويصلحنى من أمور الدين والدنيا ، هداية متصلة بحين الخلق ونفخ الروح ، متجددة على الاستمرار ، كما ينبئ عنه صيغة المضارع . وعبّر بالاستقبال ، مع سبق الهداية في الأزل ؛ لأن المراد ما ينشأ عنها ، وهو الاهتداء لما هو الأهم والأفضل والأتم الأكمل ، أو : والذي خلقني لأسباب خدمته فهو يهدين إلى آداب خلّته . ولما كان الخلق لا يمكن أن يدعيه أحد لم يؤكد فيه بهو ، بخلاف الهداية والإطعام والسقي ، فإنه يكون على سبيل المجاز من المخلوقين ، ولذلك أكده بهو ؛ ليخصه به تعالى . وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي لا غيره ، أضاف الإطعام إلى مولى الإنعام ؛ لأن الركون إلى الأسباب عادة الأنعام . وَ هو أيضا الذي يَسْقِينِ أي : يروينى بمائه . وتكرير الموصول في المواضع الثلاثة ؛ للإيذان بأن كل واحدة من تلك الصلات نعت جليل له تعالى ، مستقل في استيجاب الحكم . وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ : عطف على يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ، ونظم معهما في سلك الصلة بموصول واحد ؛ لأن الصحة والمرض من متبوعات الأكل والشرب في العادة ، غالبا . وقال في الحاشية : ثم ذكر بعد نعمة الخلق والهداية ما تدوم به الحياة وتستمر ، وهو الغذاء والشراب ، ولمّا كان ذلك مبنيا على غلبة إحدى الكيفيات على الأخر ، بزيادة الغذاء أو نقصانه ، فيحدث بعد ذلك مرض ، ذكر نعمته بإزالة ما حدث من السقم . ه . ونسبة المرض إلى نفسه والشفاء إلى اللّه تعالى ، مع أنهما منه تعالى ؛ لمراعاة حسن الأدب ، كما قال الخضر عليه السّلام : فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها « 1 » ، فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما « 2 » . وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ، ولم يقل : وإذا مت ؛ لأن الإماتة والإحياء من خصائصه تعالى . وأيضا : الموت والإحياء من كمال الكمال ؛ لأنه الخروج من سجن الدنيا إلى السرور والهناء ، أو : الخروج من دار البلاء والفناء إلى دار الهناء والبقاء . وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي أي : في مغفرته لي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ، ذكره عليه السّلام ؛ هضما لنفسه ، وتعليما للأمة أن يجتنبوا المعاصي ، ويكونوا على حذر منها ، وطلب مغفرته لما يفرط منهم . وقال أبو عثمان : أخرج سؤاله على حد الأدب ، لم يحكم على ربه بالمغفرة ، ولكنه طمع طمع العبيد في مواليهم ، وإن لم يكونوا يستحقون عليهم شيئا ؛ إذ العبد لا يستحق على مولاه شيئا ، وما يأتيه يأتيه من فضل مولاه . ه .

--> ( 1 ) من الآية 79 من سورة الكهف . ( 2 ) من الآية 82 من سورة الكهف .