ابن عجيبة
142
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وقيل : أشار إلى قوله : إِنِّي سَقِيمٌ « 1 » فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا « 2 » وقوله في سارّة : « هي أختي » ؛ حذرا من الجبار . وفيه نظر ؛ لأنها مع كونها معاريض ، لا من قبيل الخطايا المفتقرة إلى الاستغفار ، إنما صدرت عنه عليه السّلام بعد هذه المقالة الجارية بينه وبين قومه في أول أمره . وتعليق مغفرة الخطيئة بيوم الدين ، مع كونها إنما تغفر في الدنيا ؛ لأن أثرها إنما يظهر يومئذ ، ولأن في ذلك تهويلا له ، وإشارة إلى وقوع الجزاء فيه ، إن لم يغفر . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : ينبغي لك أيها العبد أن تكون إبراهيميا حنيفيا ، فتنبذ جميع الأرباب ، وتعادى كل من يشغلك عن محبة الحبيب ، من العشائر والأصحاب ، وتقول لمن عكف على متابعة هواه ، ولزم الحرص على جمع دنياه ، هو ومن تقدمه : أفرأيتم ما كنتم تعبدون ، أنتم وآباؤكم الأقدمون ، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ، الذي خلقني لعبوديته ، فهو يهدين إلى معرفته ، والذي هو يطعمني طعم الإيمان واليقين والإحسان ، ويسقيني من شراب خمرة العيان ، وإذا مرضت بالذنوب فهو يشفين بالتوبة ، أو : وإذا مرضت بشئ من العيوب فهو يشفين بالتطهير منها . أو : إذا مرضت برؤية السّوى ، فهو يشفين بالغيبة عنه ، والذي أطمع أن يطهرني من البقايا ، ويجعلني من المقربين يوم الدين . وقال ذو النون رضي اللّه عنه : يطعمني طعام المعرفة ، ويسقيني شراب المحبة ، ثم قال : شراب المحبّة خير الشّراب * وكلّ شراب سواه سراب وقال الشيخ أبو يزيد البسطامي رضي اللّه عنه : إن للّه شرابا ، يقال له : شراب المحبة ، ادخره لأفاضل عباده ، فإذا شربوا سكروا ، وإذا سكروا طاشوا ، وإذا طاشوا طاروا ، وإذا طاروا وصلوا ، وإذا وصلوا اتصلوا ، فهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر . ه . قلت : شراب المحبة هو خمرة الفناء والغيبة في اللّه ، بدليل قول ابن الفارض رضي اللّه عنه : فلم تهونى ما لم تكن فىّ فانيا * ولم تفن ما لم تجتل فيك صورتي . وقال الجنيد رضي اللّه عنه : يحشر الناس يوم القيامة عراة ، إلا من لبس ثياب التقوى ، وجياعا إلا من أكل طعام المعرفة ، وعطاشا إلا من شرب شراب المحبة . ه . وقد يستغنى صاحب طعام المعرفة وشراب المحبة عن الطعام والشراب الحسيين ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم ، حين كان يواصل : « إني أبيت عند ربى يطعمني ويسقين » « 3 » . قال أبو بكر الوراق في قوله تعالى : الَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ أي : يطعمني بلا طعام ، ويسقيني بلا شراب . قال : ويدل عليه حديث السّقّاء في عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ حيث سمع النبي صلى اللّه عليه وسلم يقرأ ثلاثة أيام : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها ، فرمى بقربته ، فأتاه آت في منامه بقدح من شراب الجنة ، فسقاه ، قال أنس : فعاش بعد ذلك نيفا وعشرين سنة ، لم يأكل ولم يشرب على شهوة . ه .
--> ( 1 ) من الآية 89 من سورة الصافات . ( 2 ) من الآية 63 من سورة الأنبياء . ( 3 ) أخرجه البخاري في ( الصوم ، باب التنكيل لمن أكثر الوصال ، ح 1965 ) ومسلم في ( الصيام ، باب النهى عن الوصال في الصوم ، 2 / 774 ، ح 1103 ) من حديث أبي هريرة ، بدون لفظ « عند ربى » وجاء هذا اللفظ في رواية عند الإمام أحمد في المسند ( 2 / 253 ) .